أخبار دوليةأخبار محليةتدويناتمقالات وتحليلات

حين يتحول النقد إلى محاكمة: من يحمي هيبة العلم من حملات التشهير؟

هلا ريم الاخباري: أهل العلم ليسوا معصومين من الخطأ، ولا ينبغي أن يكونوا فوق النقد أو المراجعة، لكن اختزال عقود من العطاء في زلة، أو اقتطاع عبارة من سياقها، أو تحويل أرشيف طويل إلى ملف اتهام، لا يمكن أن يسمى نقدا علميا؛ لأن النقد يصحح الفكرة، أما التشهير فيستهدف صاحبها.

 

لقد شهدنا في الآونة الأخيرة انشغالا بنبش الأرشيف المكتوب والمسموع، وجمع مواقف قديمة، وانتقاء عبارات من سياقاتها، ثم تقديمها للرأي العام وكأن الغاية هي إسقاط هيبة أهل العلم والفضل.

 

ومن حق الناس أن يناقشوا الفتاوى والاجتهادات، وأن يردوا عليها بالحجة والدليل، بل إن المراجعة العلمية سنة في المعرفة. لكن هناك فارقا شاسعا بين التصحيح والتشهير، وبين الحوار العلمي وحملات الإسقاط.

 

فالاجتهاد البشري يحتمل الخطأ والصواب، وما قيل في زمن معين ينبغي أن يفهم في سياقه العلمي والاجتماعي، لا أن ينتزع من زمانه وبيئته، ثم يعاد تقديمه اليوم كأنه قيل في الظروف نفسها. والخطأ في اجتهاد لا يمحو العلم، ولا يلغي التاريخ، ولا يسقط فضل صاحبه.

 

أما الانتقال من مناقشة الأفكار إلى الطعن في الذمم، فذلك أمر أخطر. فمن أين لهؤلاء سلطة اتهام بعض أهل العلم بتبديد الهبات والصدقات؟ ومن منح المنتقدين حق إصدار أحكام على ذمم مالية لم يسهموا فيها، ولا يملكون وثائقها ولا حساباتها؟

 

إن كانت هناك أدلة ووثائق على مخالفة، فلتقدم إلى الجهات المختصة، ولتأخذ العدالة مجراها. أما أن تتحول الشائعة إلى اتهام، والاتهام إلى إدانة، فذلك ليس عدلا ولا بحثا عن الحقيقة، بل ظلم وافتراء.

 

قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾، وقال سبحانه: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ﴾.

 

ومن صور الظلم أيضا اختزال التدين في الفقر والمظهر البسيط، وكأن سعة الرزق أو حسن الهيئة تتعارض مع الصلاح. وهذا تصور لا يستند إلى أصل صحيح؛ فقد قال تعالى: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾.

 

فالغنى ليس تهمة، والأناقة ليست نفاقا، وإن كان الزهد فضيلة لمن اختاره، لكنه ليس شرطا في العلم، ولا مقياسا للتقوى.

 

إن احترام أهل العلم لا يعني عصمتهم، كما أن نقدهم لا يمنح أحدا رخصة في إهانتهم. ومن أراد الإصلاح فليحمل أدوات العلم، ومن أراد التصحيح فليأت بالدليل، ومن أراد المحاسبة فليطرق أبواب الجهات المختصة.

 

العلم يناقش بالعلم، والخطأ يرد بالدليل، والذمة لا تدان إلا بالبينة، والنية لا يعلمها إلا الله.

 

فمن أراد تصحيح المسار فليبدأ بالعدل، ومن أراد نقد الاجتهاد فليواجه الدليل بالدليل، ومن أراد المحاسبة فليتركها للمؤسسات المختصة.

 

أما أن يتحول النقد إلى حملة لإسقاط الرموز، فهنا لا يعود الخطر موجها إلى أشخاص بعينهم، بل إلى مكانة العلم نفسه.

 

فالاختلاف لا يبرر التشهير، والنقد لا يمنح حق الهدم، وتصحيح الخطأ لا يستلزم محو الفضل. ومن يضرب هيبة أهل العلم باسم النقد، قد يكتشف متأخرا أنه لم يسقط أشخاصا فقط، بل أسهم في إسقاط قيمة العلم في نفوس الناس.

 

اللهم احفظ أهل العلم والفضل، وبارك في أعمارهم، وانفع بهم، وارفع قدرهم، واجزهم عنا خير الجزاء.

 

الإداري المالي: أحمد عابدين سيدي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى