أخبار دوليةأخبار محليةتدويناتمقالات وتحليلات

حين يسبق الجدلُ الحوار… قراءة قانونية في نقاش المأموريات الرئاسية

هلا ريم الاخباري: في حياة الأمم قضايا يفرضها الواقع، وأخرى يفرضها الجدل. والفرق بينهما كبير؛ فالأولى تدفع إلى البحث عن الحلول، أما الثانية فقد تستنزف الوقت والجهد دون أن تضيف جديدًا إلى مسيرة الوطن. ومن هذا المنطلق، يبدو أن النقاش المتكرر حول المأموريات الرئاسية في موريتانيا أصبح، في كثير من الأحيان، يتقدم على الحوار الوطني الذي ينتظر منه المواطن معالجة قضايا أكثر إلحاحًا.

 

ولا خلاف على أن موضوع المأموريات الرئاسية من أهم المسائل الدستورية، لأنه يتعلق بتنظيم ممارسة السلطة، وهي من صميم أحكام الدستور. غير أن تناول هذه المسألة ينبغي أن يبقى في إطاره القانوني، لأن الدساتير لا تُفسر تحت ضغط السجال السياسي، وإنما وفق قواعد التفسير الدستوري وما تقرره المؤسسات المختصة.

 

لقد وضع الدستور القواعد التي تنظم المأمورية الرئاسية، وجعل منها جزءًا من البناء الدستوري للدولة. ولذلك فإن أي نقاش حول هذه الأحكام يجب أن ينطلق من النص وروحه، لا من الرغبات أو الاصطفافات. فاستقرار القواعد الدستورية هو أحد أهم ضمانات استقرار الدولة، والاحتكام إليها هو ما يميز دولة المؤسسات عن غيرها.

 

لكن ما يدعو إلى التأمل هو أن الجدل حول هذه القضية أصبح يطغى على مساحة الحوار التي كان من المنتظر أن تتسع لقضايا تمس حاضر المواطن ومستقبل البلاد؛ كالحكامة، والعدالة، والتنمية، والتعليم، والإصلاح الإداري، وترسيخ دولة القانون. وهي ملفات لا تقل أهمية، بل ربما كانت أولى بأن تستأثر بالنقاش الوطني.

 

إن قيمة الحوار لا تكمن في إعادة إنتاج الخلافات، وإنما في البحث عن المشترك الوطني. فالحوار الذي لا يفضي إلى أفكار توافقية، ولا يفتح أبوابًا للإصلاح، ولا يعزز الثقة بين مختلف الفاعلين، يفقد جانبًا مهمًا من رسالته. أما حين ينصرف المتحاورون إلى ما يجمعهم، فإنهم يضعون لبنة جديدة في بناء الاستقرار السياسي والمؤسسي.

 

وليس المقصود من ذلك تجاهل القضايا الدستورية أو التقليل من أهميتها، وإنما وضعها في إطارها الصحيح، وترك حسمها للمؤسسات التي أناط بها الدستور هذه المهمة، مع توجيه الجهد الوطني نحو إنتاج توافقات عملية تخدم حاضر البلاد ومستقبلها.

 

إن موريتانيا بحاجة اليوم إلى حوار يوسع دائرة الاتفاق بدل توسيع دائرة الجدل، ويبحث عن الحلول بدل الاكتفاء بتبادل المواقف. فالأوطان لا تبنى بالانتصار في النقاش، وإنما بالنجاح في صناعة التوافق، ولا تقوى مؤسساتها إلا حين يكون الدستور مرجع الجميع، ويكون الحوار وسيلة للتقارب لا سببًا لمزيد من الانقسام.

 

ولعل أعظم ما يمكن أن يخرج به أي حوار وطني هو أن يؤسس لثقافة سياسية جديدة، يكون فيها الاختلاف وسيلة للإثراء لا للتنازع، ويصبح فيها الاتفاق على الثوابت الوطنية منطلقًا لمعالجة بقية الملفات بروح المسؤولية والشراكة. فحين يسبق الحوار الجدل، تربح الدولة، ويربح المواطن، ويربح الوطن

ا

الإداري المالي : أحمد عابدين سيدي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى