حروفٌ مضرجة بأفاكيه الهوَس! ج1 / الدنين البشير

هلا ريم الإخباري: ا سجى الليل، وبعد أن أنهيت قراءة رواية ” موسم الهجرة الى الشمال ” للطيب الصالح – الرواية الساحرة والممتعة بأسلوبها الراقي والسلسل، ما يجعلك تعيش في تفاصيلها واحداثها لحظة بلحظة – جلست أتأمل نور القمر بصمت عميق مر أمامي شيء يشبه لحد كبير شريط ” فيلم ” أيقظ ذكريات ” فترة طفولتي ” من سباتها وفتح أبواب التأمل و التفكير في تلك الحقبة الزمنية ، ما جعلني اتأمل في ” أحداث ” ومواقف حصلت معي في ” تلك الحقبة ” راح بي التفكير وجال في حدود بعيدة ، تذكرت أوجه ولحظات ومواقف مرّت عليها سنوات زودتني بكمين كبيران من المشاعر والشوق ممااعطاني شعورا بالحنين لتلك الفترة ، تذكرت أول يوم لي في المدرسة، الإبتدائية – كان إحساسا سيئاً في البداية بسبب التغيير الجذري الذي سببته في حياتي اليومية أنذاك لكن مع مرور الوقت بدأت أتعود شيئا فشيئا على المدرسة إلى أن وصلت الى مرحلة التعلق بها حتى أصبحت جزءا لايتجزأ من حياتي اليومية فمن خلالها تعرفت على ” أصدقاء ” جمعتنا وشاركتنا مواقف لاتنسى ساهمت في انشاء علاقات ” وطيدة ” بيننا في تلك الفترة اغلبهم لازال بيني وبينهم اتصال .
” قبل المدرسة كنت متعودا على اسلوب حياتي يومي ” لم اكن اتخيل ابدا تغييره ” كالتجوال في باديتنا – بلا اي وجهة أحيانا – لكون اغلب الاطفال في سني تلك الفترة يكونون في المدرسة إلا أنا وقلة معي ، تارةً أجد بعض الأطفال في سني من القلة التي ذكرت ” فألعب معهم الكثير من العاب الصبا وتارة أزور رمل اهل محمد محمود منطقة أهل الحمير كما نسميهم وهم مجموعة من الاشخاص يعملون عبر ” الحمير ” ما يدر لهم دخلا لابأس به ، عرضت عليهم – حسب ما أتذكر – في البداية خدماتي بعد الكثير من التوسل ووافقوا بعد ان أعجبتهم مهارتي الجيدة في الامساك بالحمير ” .
جال بي التفكير ايضا الى فترة زيارتي الأولى للعاصمة ” برلين ” المدينة الجميلة والجذابة رغم ضوضائها التي تكاد لاتنقطع طيلة اليوم حيثُ تعرفت في تلك الزيارة على مايكل الذي سيصبح في مابعد من أفضل الأصدقاء الذين تعرفت عليهم لحد الساعة لما جمعتنا من علاقة وصداقة قويتين ودعمه المستمر لي الذي لطالما زودني بالشجاعة وكان أول موقف يجمعنا “مشاجرة ” أمام منزل مريم تلك المسلمة التي كانت في علاقة مع مايكل اليهودي قادني الفضول و التعصب الى وصف مريم بالدميمة بدأت اروي لها بعض الأحاديث بأن المسلمة ليست لغير المسلم لقد ضربت لها مثلا بزينب رضي الله عنها أتذكر بأنه صفعني صفعة موجعة نزفت منها نزفا شديدا – ولكوني بدويا ساذجا وسطحيا كما يقول عني أطفال المدينة تلك الفترة ماكان مني إلا أن أصرخ بصوت مرتفع من شدة وجع الضربة واذ بالجيران يتجمهرون حولنا مستفسرين عن سبب هذا ” الصراخ المرتفع ” وكان من المتجمهرين سائق هندي من الأوائل الذين تعرفت عليهم فقد اخبرني في حديث سابق بالوضع هنا و بما يسمى بحرية الأنسان و ان اشتد حذرا من ان ادخل في مأزق في القربة قدم لي بضع نصائح و حدثته عن بلاد المنتبذ القصي أخبرته عن شنقيط و و لاته و حتى نواكشوط و عن بعض الشخصيات الوطنية و سرد لي هو قصص في الهند و شرح لي طبيعة المجتمع الهندي و اخبرني عن الديانات هناك لقد حدثني عن ما رأى من شعوذة ……….
اسمه عبد اللطيف سينغ الذي اخبر باعة الدكاكين في الحي انه كان شاهدا على المشاجرة و بأن مايكل هو السبب الرئيسي في الشجار نشبت مشاجرة كلامية حادة بين احد النبلاء من السفارة و أب مايكل أستخدم فيها انواع الالفاظ والكلمات وافرغ كلاهما غضبه على الآخر كادت المشاجرة الكلامية ان تصل لحد إستخدام الأيادي – لكن ولله الحمد عفانا الله منها بعد تدخل الباعة الذين يعيشون في دولة مبعثرة من جميع الأوطان الفارين من الحروب باحثين عن حياة نبيلة تضمن لهن الأستقرار اختارو قرار صائبا في اللجوء في آلمانيا ارض النبلاء
تحول الموضوع بعد أسبوعين أو ثلاثة حسب ماأتذكر إلى صلح بعد ” إعتذار السفارة ” عن فعلتي وتبرير – السفير – لتصرفه بسيطرة العاطفة عليها فقبلت الإعتذار بلا أي اعتراض معتبرةً هذا التصرف من طبيعة حنين الوطن و الشوق ولا يلام عليه .
نتج عن هذا الإعتذار علاقة ودية وطيدة بين السفير و اب مايكل الذي يشغل منصاب كبيرا في الدولة لازالت مستمرة….. .
بعد شهور و انسجامي مع ارض برلين بدأت احاول ربط قرائتي مع عمل يضمن لي المعيشة بعد ان تدهورت حالتي المادية و اشتدت الحروب في العالم العربي و انقطاع تواصلي مع العائلة ذهبت الى مطعم طلبت منهم العمل كغاسل الأواني لمدة اربع ساعات انا اعمل بدون توقف ارجع الى الشقة كجثة دبت فيها الحياة لقد كنت اعمل في مطعم من ارقى المطاعم كل الشخصيات الحكومية زبناء له كان يشتد الزحام في طابور لا بد من أغسل الإناء في ظرف لا يقل عن ثواني على رغم من انني اعمل فيه و انا و بعض العمال لا مأوى لنا لغير رغيف خبز حافي نأكله في كل أحيان الأكل…….،في كل صبيحة اتجه الى المدرسة اشطُ بتفكيري حول عائلتي التي انقطعت عنها و لم اسمع بأنباء عنها لم استطيع التمعن في الدراسة من شدة الحزن ، في كل مرة اتجه الى السفارة ارجع خائب الأمل اصبحت مهوسا استغرق بعض الدقائق اتكلم عن اهلي في انفراد اتذكر ابتسامة الكبير من الصغير و ملامحهم و حتى جوارح جسدهم ، كدت ان اصبح معتل من شدة التأثر حتى أنني اصبحت اهتف خصومي من بلادي الشفقة قادتني الى كل شيئ اتذكر كل ماهو مذموم و كل ماهو خلاب في بلدي لقد تذكرت كل الوقفات اشتقت الى المشجرات في ” كرفور مدريد” لم أنم ليلة اصدقائي في الغرف المجاورة افتقدو شخيري الذي كنت اخبرهم عن جذوره في بلادي انه من العادات لم استطيع النوم كعادتي……..
ذهب بي تفكيري الى باعة اللحوم الى باني صاحب المعول الصدئ و كلاماته في كل ضربة لأحدى الأعظام تذكرت زبائنه و سرداتهم الخرافية التي لا امن بها و الحديث عن الجن و تخلفهم اشتقت الى نساء برو صحافة القرية اشتقت الى الرمال و خاصة رمال ما وراء سكوكُ تلك الرمال التي عشت فيها اجمل اللحظات بين السيل في ايام الأمطار و الشاي في سمراتنا على ذلك الرمل العظيم و ويد التلاميد استحضرت طفولتي ايام كنت احدس بأن الحنظل بطيخ كنت لا أميز بين الألف و الباء …….
لم اتجاهل اليوم الذي حشدنا فيه امام البئر عندما جاء براهيم ذلك الضخم الذي دخل في البئر بؤرة كبيرة غسل بعض الأوساخ فيه و اخرج لنا منه كأسأ دهاقا من الماء الذي شرب منه اجدادنا في السابق بعد ما اهمالنا به و كان يسرد علينا قصص مغامراته في الآبار و الى ذلك الدلو الذي يرافقه في كل حمى جاء اليها في مهمة الى سالك صاحب الحمير الذين ادخلو براهيم في البئر و انشودته بقصيدة شعبية يقول فيه على ما اظن ” دلو گام”……..
بعد عدة شهور و نزلت علي السكينة بأن البلاد بخير ذهبت الى احدى المكاتب القديمة في برلين ارافق قهوة احتفاء بأول راتب لي في العمل كان راتب سنوي ثلاق آلاف دولار حلم أبناء الكادحين في بلادي فطالعت رواية رومانسية تتكلم عن الكرز و تباعد البعلين لقد كانت قصة مشاهبة مع حياتي و ابتعادي عن الوطن لم استطيع ان اتزحزح من مكاني حتى بعد ان طالعتها من بعد تلك ذلك اليوم اصبحت علاقتي وطيدة مع صاحب المكتبة ذلك الآلماني الحزق النبيل المكترث بالثقافة العربية كان دوما يتحدث لي عن بغداد صدام و عن دمشق حافظ الأسد و عن القاهرة ايام جمال عبد الناصر حتما اثرت في سرداته معرفته عن شعوبي اوسع من معرفتي عنهم كان دوما يداعبني بكلمات عن موريتانيا …….
تأملت أيضا في أمور أخرى اعتبرها خصوصية لايمكن سردها ، كم هي جميلة تلك ” الفترة ” وكم اتمنى لو أمكنني إعادتها فأعيش كلّ لحظة منها واستنشق هواء الطيبة والعفوية والحب و الحزن .







