شعلة الفـتنة الطائــفية ومحاكــمة التديــن

هلا ريم الإخباري : إن الإلتباس قائم في الكثير من المسائل والمفاهيم من حيث المترادفات والمتجانسات ، إما عن طريق المقابلة والجناس والطباق ، سواء تعلق الأمر بعلم الأديان أو مقاصد التدين فالدين فعل ثلاثي من ” دان” تارة يتعـدى بنفسه، وتارة باللام، وتارة بالباء، ويختلف المعنى باختلاف ما يتعدى به، فإذا تعدى بنفسه يكون (دانه) بمعنى ملكه، وساسه، وقهره وحاسبه، وجزاه و إذا تعدي باللام يكون ( دان له) بمعني خضع له وإذا تعدي بالباء (دان به) بمعني اتخذه دينا ومذهبا وأعتاده وتخلق به وأعـتقده، إن الدين هو المشتمل على الاعـتراف بواجباتنا كأوامر إلهية، وهو التجربة التصوفية التي يتجاوز الإنسان فيها متناقضات الحياة، فالدين بمعنى الطاعة والخنوع والدنو والانقياد.والدين في الاصطلاح العام ما يعتنقه الإنسان و يعـتقده ويدين به من أمور الغيب ، وفي الاصطلاح الإسلامي التسليم لله تعالى والانقياد له والدين هو ملة الإسلام وعقيدة التوحيد التي هي دين جميع المرسلين من لدن آدم ونوح إلى خاتم الأنبياء.
أما التدين فهو التطبيق الكلي والفعلي لمقتضيات الدين وكثيراً من الناس قد يفهم التدين فهمًا سطحيًّا مبتورًا، ويرى أن المرء إذا صلَّى الصلواتِ الخمسَ، وسبَح وصام وزكا، وقال الأذكار المسنونة دبر كل صلاة، وحجَّ، واعتمر، فلا عليه بعد ذلك أن يفعل أيَّ شيء، ولا مساءلة له فيما يأتي أو يدع، ويظن أنه قد أقام دينه، وأدَّى ما عليه تجاه ربه، ولكن الحقيقة الغائبة عن أذهان الكثيرين أن ديننا ليس دين شكلياتٍ، أو مظاهر، وليس مجردَ طقـوس تؤدَّى، وأنه أفعالٌ ليس وراءها طائل من قيم أو خلق أو تعامل راق، إنما مفهوم التدين الحقيقي يكمن في أن يكون المسلم واقَّفًا عند حدود الله، عاملا بأوامره، ونواهيه، صادقًا في التزامه، وعباداته، ويراقب ربه طيلة يومه، وليله، وفي سفره، وإقامته، وحله، وترحاله، وفرحه، وترحه، بيعه، وشرائه، وأخذه وعطائه، حربه، وسلمه، خصامه، وصلحه، بمعنى أن يكون ربه في باله طيلة حياته، وقال تعالي (يكذِّب بالدين ) ولم يقل:(يكذِّب الدينَ )، أيْ أنه انتهى من التكذيب، وصار أداة للصد عن سبيل الله ، وبُوقًا يــذم تعاليم الدين، وينتقص من قدرته، ويذكر عـدم صلاحيته لهذا العصر، ومن الغباوة والجهالة إدخال مفهوم الحداثة والتطور على الدين، وأنه لا يواكب التطور، وأنه نزل لعصر محدد، راح، وانتهى، وانتهت معه أحكامه وقيمته، ويظل يعمل على تشويه صورة الدين مقاصد التدين، ويجتهد في إبعاد الناس عنه، فيسخِّر قلمه ـ إن كان ممن يحسن الكتابة ـ ليكره الناس دينهم ، ويتفنن في تنفير الناس منه، وإبعادهم عنه، رغم أنه يشهد الشهادتين، وأنه يصلي ، وهو مسلم، إلا أنه لم يقف على المفهوم الحقيقي للتدين.
وانطلاقا من ما سبق يمكننا القول إن التدين يتأسس على ثلاثة مفاهيم رئيسية وتفاعلها معًا في لحظة من لحظات الـوعي الإنساني، وهذه المفاهيم هي التي تكون عـلاقات المؤمنين بالوقائع والأشياء وذلك في تفاعلاتها وتردداتها المتغيرة مع بعضها البعض، وهذه المفاهيم الثلاثة هي القيمة الذاتية للفرد الإنساني، ثم القيمة الجماعية التي تظهر في تفاعلات الأفراد يبعضهم البعض، وأخيرا قيمة العالم الموضوعي الذي يحيط بهؤلاء الأفراد والجماعات، والذي يتشكل بمبادئهم وعلاقاتهم، فيصنع إطارا وواقعا وبيئة ومكانا ضروريا وحتميا لوجود كل فرد واستمراره حيًا وفاعلا في وسط الجماعة لأجل استمرارها بقوة وحيوية. بلا شك أن لحظة الوعي الديني إنما تنطلق أساسا من الإحساس بقيمة الذات، ثم تتسع بعد ذلك قيمة الذات للآخرين لتصبح مفهوما للعالمين باعتباره فلكا للنجاة لهذه الجماعة، وذلك خلال منظومة قيم تتعمق وتتجذر وتمتد بالعلاقات التي تربط بين بعضهم البعض. وتبعا لذلك ينقسم هذا المجتمع إلى قسمين: الأول يعطى القيمة العظمى لأفراد منه يدعون بأن لهم صلة خاصة بالسماء ويتلقون رسائل يومية للأفراد والمجتمع، ويصنعون معجزات، ويشفون أمراضا ويتحدثون عما هو قادم ويخرجون الجن والشيطان من جسد الإنسان وعادة هؤلاء يكونون غير دارسين لتطور دينهم لاهوتيًا أو فقهيا ونضج إيمانهم عبر التاريخ، لذلك لا يكون في حسابهم الخبرة الدينية التاريخية ولا التطور اللاهوتي أو الفقهي لذلك يقفزون فوقها بمسميات ( الدائرة- المعبد – الزاوية- المحظرة). ، بل فوق الكتب المقدسة أيضا والتي هي قاعدة هذه الخبرة، أما القسم الثاني فهم أولئك الذين يتبنون «فطرة» الاتجاه لما هو صحيح وحقيقي الموجودة في طبيعة الأشياء أو فطرتها ولذلك في أي حدث أو قضية يعودون لخبرة الكتب المقدسة الأصيلة وتفاصيلها المعتمدة عبر التاريخ وهكذا تضع نفسها في الاتساق المثالي المعاصر (الكتاب والسنة) لهذه الخبرة التاريخية، وبهذا الاتساق في العالم الحقيقي يتوافق الفكر مع طبيعة الأشياء، ولا يقفز لحدس أو إعلان ، وعلينا أن نتفق على أن الأديان على إطلاقها تمد العالم بالمعنى، والمقصود بالمعنى هنا معنى الوجود الإنساني وأهـدافه من وجهة نظر الأديان، وإذا كانت الأديان تركز على وحدة الوجود التصوفية، فيكون الله والعالم والإنسان وحدة واحدة، بمعنى واحد، أن الأديان التي وصفت بالسماوية ترفض هذا الفكر وتؤمن أن الله هو الذي يمد العالم بالمعنى فالله ليس هو العالم، ولذلك فالحقيقة الدينية العليا هي التي تظهر الإنسان من الداخل، فطبيعة الإنسان وأخلاقه تتطور وفق تطور إيمانه، فالتدين يقدم قوة الإيمان داخل الإنسان، ففكرة الإيمان تساوى «الاستقامة» أو استقامة الإنسان والتي هى رأس الفضائل الدينية وهى التي تحدد مقدار إيمانه، بل والأكثر من ذلك، أن الدين يحتوى على نظام يقدم حقائق عامة مطلقة تؤدى بالضرورة إلى إحداث تغيير فى الأخلاق والسلوك عند الفرد والمجتمع، إذا أخذت على محمل الجد، وإذا عاشها المؤمن باقتناع عاطفي عميق، وفى تعريف اتفق عليه فلاسفة علم الأديان ومنظروها «أن الدين يعنى التوحد والانفراد، فالذي لا يمر بخبرة الوحدة والانعزال مع إلهه لن يكون متدينا، ولذلك اتفقوا على أن الحماسات الجماعية التي يحدث فيها التصفيق والرقص الديني على جميع مستوياتهما، بل وحركات الإحياء ودور العبادة على إطلاقها وترجمات الكتب المقدسة وشروحاتها، كلها هذه تتغير بتغير الزمن والحضارة واللغة والمكان، وهى تسد احتياجات بشرية عابرة بحسب حضارة وثقافة ولغة العابدين، أما الشيء الثابت فهو القيمة الفردية الأخلاقية العالية السامية التي تغير الفرد والجماعة، لذلك فليس كل اعتقاد ديني هو خير بالضرورة، فالأمر الفاصل في هذا الشأن هو هل يغير الدين بقيمه وقيم المجتمع إلى الأفضل.
وعليه فان الأحداث الدامية التي وقعت في مدينة كيهيدي سوف تعاود نفسها في مجتمعات أخري وبشكل قد يكون أكثر عـنفوية وتصادم وتطرف وغــلو إذا ما حاولت السلطات حل القضية عن طريق الوساطة أو التقادم إذ لم تعد المشكلات الاجتماعية تحل عن طرق التراضي أو التهديد والترغيب فلم يعد بالإمكان قبول الدونية والتجاسر على كرامة الإنسان بقوة القبيلة أو سلطوية الدولة فقد تحررت الشعوب من هاجس الخوف بسبب حركات التحرر التي أطلقها الربيع العربي وأصبح كل فرد من المجتمع يري أن حياة البأس والاستعباد قد يكون أنجع منها الثورة والموت في سبيل الحرية والإنعتاق والخلود إلي الراحة النفسية والجسدية ، وإذا ما أرادت الدولة صيانة ماء الوجه للأسياد وإنصاف العبيد فمن الواجب محاكمة المفاهيم التدينية الراسخة قي معتقدات الأسياد الفقهية من أهمها الإقرار والاعتراف البواح بأن العبودية لم يعد من المقبول ممارستها تحت أي يافطة أو شعيرة مهما كان المبرر الزمان والمكاني، فالمحاكم اليوم ليس العبيد بل هم المتون الفقهية الصفراء وأرائها العنصرية من حيث علاقات المعاملات البشرية المحرمة لإستغلال الإنسان وازدرائه وحرمانه من حقوقه من طرف بني جنسه وجلدته على أساس فوارق اجتماعية عنصرية.







