ميزان الرقابة بين حماية المال العام وصون كرامة الناس

هلا ريم الاخباري: لا خلاف على أن الرقابة ليست ترفا إداريا، بل ضرورة لحماية المال العام، وتصحيح مسار التسيير، وترسيخ الثقة في مؤسسات الدولة. ومن هنا تأتي أهمية المفتشية العامة للدولة، باعتبارها إحدى أهم أدوات الرقابة الإدارية.
لكن الرقابة الحقيقية يجب أن تقوم على معادلة متوازنة لا غنى فيها عن الحزم في مواجهة الفساد، والعدل في التعامل مع الأشخاص. فلا ينبغي التساهل مع الاختلالات، كما لا يجوز أن تتحول الملاحظة الرقابية إلى إدانة، أو أن تتحول مجرد شبهة إلى حكم، فتُهدر سمعة إنسان قبل أن تثبت مسؤوليته.
ولهذا، فإن قوة المفتشية تبدأ من كفاءة من يمارس الرقابة. وأرى أن الالتحاق بها ينبغي أن يتم عبر مسابقة داخلية مفتوحة أمام موظفي مختلف قطاعات الدولة، مع اشتراط خبرة مهنية لا تقل عن ثماني سنوات في الوظيفة العمومية، حتى يكون المفتش قد راكم تجربة حقيقية في التسيير، وأصبح أكثر قدرة على فهم تعقيدات الإدارة والملفات التي يتولى فحصها.
كما أن تعدد مجالات الرقابة يفرض تنوع الخبرات؛ فالاختيار من مختلف قطاعات الدولة، وفق معايير واضحة للكفاءة والنزاهة والخبرة، من شأنه أن يمنح المفتشية قدرة أكبر على قراءة الملفات من زواياها المختلفة، والوصول إلى نتائج أكثر دقة وموضوعية.
وفي الوقت نفسه، يجب أن ندرك أن المفتشية هيئة رقابة إدارية وليست جهة قضائية. فالتقرير يسجل الملاحظات والوقائع ويرصد الاختلالات، لكنه لا يصدر أحكاما. أما التكييف القانوني النهائي وتحديد المسؤوليات، فهما من اختصاص القضاء. وهذه الحدود ليست إجراء شكليا، بل ضمانة لحماية المال العام وحقوق الأفراد في آن واحد.
كما أن مكافحة الفساد لا يمكن أن تكون مهمة جهاز واحد، بل يجب أن تتحول إلى نهج عام تشترك فيه الإدارة والمجتمع وكل من تقع عليه مسؤولية حماية المال العام. وعلى من يعبث بالمال العام أن يدرك أنه لا يعتدي على الدولة وحدها، وإنما ينتقص من حق المجتمع، ويقتطع من مستقبل وطنه وأبنائه.
نحن بحاجة إلى رقابة حازمة لا تتهاون مع الفساد، ودقيقة لا تتسرع في الاتهام، وعادلة لا تسمح بظلم أحد. فالرقابة التي تحمي المال العام دون أن تصون حقوق الناس ناقصة، والرقابة التي تخشى مواجهة الفساد لا تحقق غايتها. أما الرقابة التي تجمع بين الحزم والدقة والعدل، فهي التي تستحق ثقة الدولة والمجتمع.
الإداري المالي : أحمد عابدين سيدي







