أخبار دوليةأخبار محليةتدويناتمقالات وتحليلات

لحراطين: ليسوا عرقا ولا قومية، بل مرحلة من الظلم يمكن تجاوزها إذا سُلك الطريق الصحيح..

هلا ريم الاخباري: تُعد قضية لحراطين في موريتانيا من أكثر القضايا الاجتماعية حضورا في النقاش الوطني، لما تحمله من أبعاد تاريخية وإنسانية وسياسية متشابكة، غير أن هذه القضية ظلت، في كثير من الأحيان، رهينة المقاربات العاطفية والخطابات الشعبوية التي اختزلتها في بعدها العرقي أو اللوني، متجاهلة تعقيداتها التاريخية والاجتماعية، وطبيعة التحولات التي عرفها المجتمع الموريتاني عبر الزمن.

 

إن القراءة الرصينة لهذه القضية تقتضي تجاوز التوصيفات الانفعالية، والعودة إلى تحليل الظاهرة في سياقها الإنساني العام، باعتبارها جزءا من تاريخ طويل عرفته أغلب المجتمعات البشرية، حيث ارتبط الاسترقاق تاريخيا بموازين القوة والضعف، والفقر والجهل، وغياب الدولة العادلة، أكثر مما ارتبط بلون أو عرق بعينه.

 

ومن هنا، فإن اختزال قضية الاسترقاق في اللون وحده يمثل قراءة ناقصة للتاريخ الاجتماعي، لأن العبودية، في جوهرها، لم تكن حكرا على عرق أو جهة أو فئة محددة، بل كانت ظاهرة إنسانية عرفتها مختلف الأمم والحضارات، من أوروبا وآسيا إلى إفريقيا والعالم العربي.. فقد نشأت أنظمة الاسترقاق غالبا في البيئات التي يغيب فيها التوازن الاجتماعي، وتضعف فيها سلطة القانون، ويهيمن فيها الأقوى اقتصاديا أو عسكريا أو قبليا على الأضعف.

 

ولقد كان الجهل والفقر وقلة العدد والحيلة من أبرز العوامل التي جعلت بعض الفئات عرضة للاستتباع والاسترقاق، بصرف النظر عن لونها أو نسبها، ولهذا لم يكن الاسترقاق في المجتمع الموريتاني مقتصرا على ذوي البشرة السوداء وحدهم، بل شمل أيضًا فئات أخرى عرفت ب “آزناگه” من الذين تعرضوا بدورهم للتبعية والاسترقاق الاجتماعي، رغم اختلاف اللون والانتماء القبلي.. فإذا كان المسترق أسود البشرة أُطلق عليه وصف “عبد”، وإذا كان فاتح البشرة سُمي “آزناگي”، بينما بقي الجوهر واحدا، وهو هيمنة القوي على الضعيف في ظل غياب العدالة وانتشار الأمية والفقر.

 

وهذه الحقيقة تكشف أن القضية، في أصلها، ليست قضية لون بقدر ما هي قضية بنية اجتماعية تقليدية سمحت بإنتاج علاقات الهيمنة والتبعية، وهي ظاهرة مرت بها أغلب شعوب العالم في مراحل مختلفة من تاريخها، ولم تكن موريتانيا استثناء من هذا المسار الإنساني المعقد.

 

كما أن التاريخ الإنساني يؤكد أن المكانة الاجتماعية ليست قدرا ثابتا، بل تتغير بتغير الظروف السياسية والاقتصادية والثقافية.

 

فكم من جماعات كانت في مرحلة من التاريخ سيدة متحكمة، ثم تحولت بفعل الحروب أو الفقر أو التراجع الحضاري إلى جماعات مستضعفة أو مسترقة، والعكس صحيح.. إذ إن كثيرا ممن كانوا عبيدا أو تابعين استطاعوا، حين امتلكوا أدوات العلم والاقتصاد والنفوذ، أن يتحولوا إلى قادة وأمراء وأصحاب قرار.

 

وفي هذا السياق، فإن بعض لحراطين وأزناگه “السابقون” اليوم لم يعودوا مجرد فئة مرتبطة بذاكرة الاسترقاق أو التبعية، بقدر أصبحوا يمثلون مرحلة من الوعي والنضج والتعليم والصعود الاجتماعي، تجاوزت في كثير من الأحيان أولئك الذين كانوا بالأمس في موقع الهيمنة التقليدية.

 

فداخل مجتمع البيظان، يمكن ملاحظة أن عددا كبيرا من العائلات النافذة والمؤثرة اليوم، من رجال أعمال كبار، وملاك بنوك، وأسر قضاء، وزعامات اجتماعية، وقادة في الجيش والأمن والإدارة، قد مر تاريخيا بمراحل اجتماعية مشابهة لما يُعرف بمراحل “اعبيد” و”أزناگه” و “لحمَه” إلخ من المسميات الاستنقاصية.

 

ويؤكد هذا التحول أن المجتمع ليس بنية جامدة، وأن الحراك الاجتماعي قادر على إعادة تشكيل موازين القوة والنفوذ متى توفرت أدوات التعليم والعمل والاقتصاد.

 

وقد لعب التعليم دورا حاسما في تفكيك كثير من البنى التقليدية، إذ استطاع أبناء لحراطين والحمَه، عبر التحصيل العلمي والانخراط في التجارة والإدارة والسياسة، أن يفرضوا حضورا قويا داخل الدولة والمجتمع، وأن يتحولوا من هامش اجتماعي إلى فاعل أساسي في صناعة القرار والتأثير.

 

غير أن القضية، رغم هذه التحولات، ظلت عرضة للتوظيف السياسي والإيديولوجي من قبل بعض الفاعلين الذين وجدوا في استمرار الأزمة مصدرا للمكانة والنفوذ والمكاسب الرمزية والمادية.

 

وقد عانى لحراطين، في كثير من الأحيان، من صنف من القادة يقتات على بقاء القضية معلقة في منطقة “أنصاف الحلول”، لأنّ استمرار الجرح يضمن له حضورا سياسيا وإعلاميا واجتماعيا.

 

ولهذا، جرى أحيانا تصوير القضية على أنها صراع عرقي ثابت بين مكونات المجتمع، بينما الحقيقة التاريخية والاجتماعية أكثر تعقيدا من هذا الطرح الاختزالي.. فالتعامل مع الاسترقاق باعتباره مجرد تمييز لوني يُهمل السياقات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية التي أنتجته، كما يُحول القضية من ملف إصلاح اجتماعي وتنموي إلى أداة للاستقطاب والانقسام.

 

إن معالجة هذه القضية بصدق تقتضي الشفافية في نقل أسبابها التاريخية، بعيدا عن الانتقائية أو الاستثمار العاطفي في الألم الجماعي، لأن المجتمعات لا تتقدم بإعادة إنتاج الأحقاد، بل بفهم جذور المشكلات والعمل على تفكيكها بصورة عقلانية وعادلة.

 

ولقد أثبتت التجارب الإنسانية أن التعليم يظل الوسيلة الأهم لتحرير الإنسان من التبعية بمختلف أشكالها، لأنه يعيد تشكيل الوعي، ويفتح المجال أمام الحراك الاجتماعي، ويمنح الأفراد القدرة على المنافسة داخل المجتمع الحديث.

 

ولذلك، فإن الحل الحقيقي لمخلفات الاسترقاق لا يكمن في تغذية الصراعات الهوياتية أو الاستثمار في الذاكرة الجريحة، بقدر ما يكمن في القضاء على الجهل والفقر والتهميش، لأنها البيئة التي تسمح بإعادة إنتاج كل أشكال الاستغلال والهيمنة.

 

فكلما تعززت العدالة الاجتماعية، وانتشر التعليم، وتكافأت الفرص، تراجعت التصنيفات التقليدية، وتقدمت قيم المواطنة والكفاءة والاستحقاق.. ومن هنا، فإن قضية لحراطين اليوم ليست قضية لون أو عرق بقدر ما هي قضية وعي اجتماعي وتنمية بشرية وعدالة تعليمية واقتصادية، وهي معركة المجتمع الموريتاني، بجميع أطيافه وأثنياته، في سعيه نحو دولة أكثر إنصافا ووحدة واستقرارا.

 

إن بناء موريتانيا الحديثة يقتضي تجاوز القراءات الضيقة التي تختزل المجتمع في ثنائيات عرقية جامدة، والعمل بدلا من ذلك على ترسيخ دولة المواطنة والعدالة والتنمية، باعتبارها الضمانة الحقيقية لإنهاء كل أشكال التهميش والاستغلال.. فالمجتمعات التي تبني مستقبلها على الوعي والمعرفة قادرة على تجاوز جراح التاريخ، أما المجتمعات التي تبقى أسيرة خطاب الانقسام، فإنها تظل حبيسة الماضي مهما رفعت من شعارات التحرر والإنصاف.

 

-سيدي عثمان ولد صيكه

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى