الهند وإفريقيا : رؤية مشتركة للتنمية والازدهار

هلا ريم الاخباري: في عصرٍ تعيد فيه المنافسة بين القوى الكبرى تشكيل العالم إلى حدٍّ كبير، ومع تراجع احترام المؤسسات متعددة الأطراف وظهور مراكز قوة جديدة عبر العالم، يتسم انخراط الهند في إفريقيا بنهجٍ ثابت—نهجٍ يضع التمكين بدل السيطرة، والشراكة بدل الوصاية.
الهند ليست في سباقٍ للظهور الإعلامي، لأن ما يهمها هو التزامها الحقيقي تجاه شعوب إفريقيا. وعلى عكس الآخرين، تؤمن الهند بمبدأ «فاسودهايفا كوتومباكام»، أي “العالم أسرة واحدة”، كما عبّر عنه رئيس وزرائنا السيد ناريندرا مودي، الذي تجسّد حلمه في انضمام الاتحاد الإفريقي كعضو كامل في مجموعة العشرين سنة 2023، خلال الرئاسة الهندية.
إن التزام الهند بأن تكون شريكًا في نمو القارة الإفريقية يُلمَس بوضوح من قبل الشعوب الإفريقية، التي تربطنا بها علاقات حضارية ممتدة عبر القرون. فعلاقة الهند بإفريقيا ليست جديدة، بل هي متجذرة في تاريخٍ مشترك من النضال، وفي روح الحرية، وفي المبادئ التي قادت حركة عدم الانحياز. واليوم، تقودنا هذه الروح نفسها لبناء مستقبلٍ من الفرص والكرامة والازدهار معًا.
ولتوفير زخمٍ جديد للعلاقات الهندية–الإفريقية، عُقد أول منتدى الهند–إفريقيا عام 2008، حيث وُضع إطارٌ للتعاون على أساس الحوار بين متساوين. وستُعقد النسخة الرابعة من منتدى الهند–إفريقيا في نيودلهي من 28 إلى 31 مايو 2026، بمشاركة عددٍ كبير من رؤساء الدول والحكومات الإفريقية، لوضع أسس شراكة جديدة تحت عنوان: الشراكة الاستراتيجية الهندية–الإفريقية من أجل الابتكار والمرونة والتحول الشامل. كما سيتضمن المنتدى حوارًا اقتصاديًا بين الهند وإفريقيا، من 29 إلى 31 مايو، يركز على قطاعات مثل الصحة، والتعدين، والزراعة وغيرها.
وعلى عكس نماذج المساعدات التقليدية المرتبطة بالشروط، تعتمد مقاربة الهند على تضامن الجنوب–الجنوب. فقد موّلت الهند العديد من المشاريع في إفريقيا، تشمل شبكات المياه، وخطوط نقل الطاقة، ودعم الزراعة، والبنية التحتية للطرق وغيرها. وحتى اليوم، موّلت الهند أكثر من 10 مليارات دولار لنحو 110 مشاريع في أكثر من 40 دولة إفريقية. كما شملت هذه المساعدات مشاريع كبرى، مثل إنشاء مترو في موريشيوس. ووافقت الهند أيضًا على خط ائتماني بقيمة 21.8 مليون دولار لإنشاء مراكز جمع الحليب وبنية تحتية للمياه في موريتانيا، وقد تم تنفيذ هذه المشاريع بنجاح خلال الفترة 2016–2017.
شهد التبادل التجاري بين الهند وإفريقيا توسعًا كبيرًا خلال العقود الماضية، لكنه لا يزال دون إمكاناته الحقيقية. وقد استثمر رجال الأعمال الهنود بشكلٍ واسع في مختلف الدول الإفريقية، كما برز اهتمامٌ متزايد من المستثمرين الأفارقة بالاستثمار في الهند. ويتجاوز حجم التجارة بين الهند وإفريقيا 100 مليار دولار، ومن المتوقع أن ينمو بنسبة تتراوح بين 8 و10% سنويًا، وهي نسبة أعلى من معدل نمو التجارة الهندية الإجمالي. وقد عزز القطاع الخاص الهندي حضوره في الأسواق الإفريقية، خاصة في مجالات الأدوية، والزراعة، والتعدين، والاتصالات. وأصبحت الأدوية الهندية الجنيسة منخفضة التكلفة دعامةً أساسية في العديد من الدول، وأسهمت بشكلٍ كبير في تحسين النتائج الصحية.
تحتل موريتانيا مكانةً خاصة في قلب الهند. ونلمس محبةً واحترامًا كبيرين للثقافة الهندية لدى الشعب الموريتاني، وقد تعزز ذلك بعد الزيارات رفيعة المستوى مؤخرًا، خاصة زيارة رئيسة الهند السيدة دروبادي مورمو إلى نواكشوط في أكتوبر 2024، حيث التقت برئيس الجمهورية السيد محمد الشيخ الغزواني وأعضاء حكومته. كما تستثمر العديد من الشركات الهندية في موريتانيا. وتوجد فرص كبيرة في مجالات البنية التحتية الرقمية، والتعليم العالي، والصحة، والأدوية، والتعدين، والطرق، والطاقة، حيث يمكن للخبرة الهندية أن تقدم قيمة مضافة كبيرة. وتبقى الهند مستعدة لدعم مسار التنمية في موريتانيا، وتقديم كل أشكال الدعم الممكنة، إيمانًا منها بأهمية الشراكة وتبادل الخبرات مع شركائها الموثوقين مثل موريتانيا.
(المؤلف هو سفير الهند لدى الجمهورية الإسلامية الموريتاني







