دهاه والهجرة إلى الله (الحلقة الثانية) بقلم د. محمد الحنفي دهاه

هلا ريم الاخباري: وقعت كلمات وفد دگانه موقعا عظيما في قلب الوالد دهاه وقرر منذ ذلك الوقت أن يتوجه معهم في عطلة نهاية الأسبوع لتأدية واجب زيارة والده محم بن دهاه ليقضي الله أمرا كان مفعولا.
مرت الرحلة بسلام ليبدأ الوالد رحلته نحو المكان الذي يوجد فيه ضريح والده وهو يبعد مسافة ثلاثين كيلومترا من دگانه.
حز في نفس الوالد ما شاهده عند وصوله إلى المكان، من انعدام للحياة البشرية بكل اصنافها، حيث كانت المنطقة إذ ذاك عبارة عن غابة مظلمة تزخر بالحيوانات المتوحشة والزواحف، لا يهتدي في دروبها وشعابها إلا ثلة قليلة ممن ألفوا أرضها واستأنسوا بناسها، وبينما هو يتأمل المشهد إذ فاجأته انتباهة حولت حاله من حال إلى حال وقديما قيل:
ما بين غمضة عين وانتباهتها
يغير الأمر من حال إلى حال
في غمرة ذلك الحال وما أثمره من تعلق بالحق وجد الوالد دهاه نفسه مستوحشا من الخلق، على حد قول القوم: “إذا أوحشك من خلقه فقد أراد لك الأنس به” وقرر التفرغ من المشاغل والشواغل مخلفا وراءه كل مشتهى وأن إلى ربك المنتهى.
انقضت أيام عطلة الأسبوع وعاد الوالد إلى روصو بوجه غير الذي ذهب به، فلا هو هو ولا الأيام أيامه. ولما لم يستطع على البقاء صبرا، حرر استقالته من العمل ودفعها إلى حاكم الدائرة فتعجب من أمره وسأله هل استشار في أمره هذا خاله الزعيم أحمدو ولد حرمة؟ فقال الوالد إنه لم يستشره، فأعطاه الحاكم مهلة شهر يراجع فيها نفسه لعله يتراجع عن قراره، ولما انقضت المهلة قبلت الإدارة استقالته ودفعت له حقوقه، فرجع إلى مدينة مغتبطا مسرورا، وبدأ مشوار حياة جديدة تختلف شكلا ومضمونا عن حياته التي تعود عليها.
ولأن الخال والد ورحمة فقد ظل الزعيم أحمدو ولد حرمة يتابع بدقة تفاصيل الحياة الجديدة لابنه وابن أخته الذي ترعرع في حضنه وارتبط به في مراحل مفصلية من مسيرته التعليمية والمهنية.
وعندما تأكد الزعيم من استقرار الوالد في مدينة الخير بعث برقية إلى صديق له وهو حاكم تلك المنطقة يدعى عثمان كان وطلب منه زيارة مدينة للاطلاع عن قرب على وضعية الوالد وموافاته بأخباره الكاملة.
وقد حدثني عثمان كان نفسه عن هذه المهمة، وقال لي: لما توصلت بالبرقية من الزعيم حرمة وجدت في نفسي استعدادا كبيرا للوقوف على حقيقة هذا الشاب الذي ترك وظيفته السامية وقرر الاستقرار بهذه الأرض الموحشة- وكان حرمة في ذلك الوقت من أهم الشخصيات السياسية في شبه المنطقة-، ولما وصلت إلى مكانه صادفته في حلقة ذكر الوظيفة وليس حوله إلا رجلين من أهل البلدة أعرفهما حق المعرفة، ونظرت إلى ماحباه الله به من جمال الصورة وحسن الهيأة وهو في نفس الوقت ابن أخت لهذا الزعيم ازداد عجبي أكثر، ثم لما تحدثت معه باللغة الفرنسية وسمعت إتقانه لها وإحاطته بشواردها ونوادرها إحاطة تمكن، قلت إنه شخص غير طبيعي ، ولكنني لما استرسلت في الحديث معه حول الأسباب والدوافع تيقنت أنه يسير على بينة من أمره ويعمل بنية خالصة لن يعدم صاحبها وسيلة لبلوغ هدفه، ثم لما تعرفت عليه أكثر كانت مفاجأتي أكبر حين عرفت أنه ابن أخ لصديقي محمد محمود بن دهاه، وأنه هو الذي ذكر لي سابقا هذا الشيخ في قصة عجيبة حدثت بيني وبينه أنه سيسكن في أرضنا، فعلمت آن الله ساقني له حتى أساعده وأحميه ولم أدخر جهدا في ذلك…
#يتواصل







