منتدى الجاليات.. حضور دبلوماسي مشهود وإسهام في دمج الخبرات الوطنية في الشأن العام

هلا ريم الاخباري: لم تعد أدوار الجاليات الموريتانية في الخارج محصورة في تحويل الأموال إلى الوطن أو الحفاظ على الروابط الاجتماعية والثقافية مع البلد الأم، بل أصبحت اليوم رافداً مهماً من روافد التنمية، ومصدراً غنياً للخبرات والكفاءات، وواجهة تعكس صورة موريتانيا في فضائها الدولي. ومن هذا المنطلق، يبرز منتدى الجاليات بوصفه إطاراً للحضور الدبلوماسي والتواصل الوطني، ومنصة لتجميع الطاقات والخبرات الموريتانية وتوجيهها نحو خدمة الشأن العام.
إن الحضور الذي يحققه المنتدى في المحافل واللقاءات ذات الطابع الدبلوماسي يعكس أهمية الدبلوماسية المجتمعية، التي لا تقتصر على القنوات الرسمية وحدها، وإنما تمتد لتشمل الكفاءات الوطنية المقيمة في الخارج، بما تمتلكه من علاقات وتجارب ومعارف، وما تستطيع تقديمه من إسهام في التعريف بالبلد والدفاع عن مصالحه وتعزيز حضوره في الساحة الدولية.
ولعل أبرز ما يمكن أن يميز هذه المبادرة هو سعيها إلى تجاوز النظرة التقليدية للجاليات باعتبارها مجرد تجمعات للمغتربين، نحو اعتبارها شريكاً وطنياً في صياغة الرؤى والمساهمة في النقاش العمومي. فالموريتانيون في الخارج راكموا تجارب مهمة في مجالات متعددة، من الإدارة والاقتصاد إلى التعليم والطب والتكنولوجيا والدبلوماسية، وهي خبرات ينبغي أن تجد طريقها إلى مؤسسات الوطن وفضاءات صنع القرار.
إن دمج هذه الكفاءات في الشأن العام ليس مجرد مطلب معنوي أو تكريم مستحق لأبناء الوطن في المهجر، بل هو خيار استراتيجي يمكن أن يفتح آفاقاً جديدة أمام التنمية وتحديث الإدارة وتطوير السياسات العمومية. فالوطن الذي يستثمر في خبرات أبنائه، أينما وجدوا، يوسع دائرة إمكاناته ويعزز قدرته على مواجهة تحديات الحاضر واستحقاقات المستقبل.
ومن هنا، تبرز أهمية الدور الذي يمكن أن يضطلع به منتدى الجاليات في بناء جسور الثقة والتواصل بين الكفاءات الوطنية في الخارج ومختلف المؤسسات والفاعلين في الداخل، والعمل على تحويل المبادرات الفردية إلى مشاريع جماعية، والأفكار المتفرقة إلى تصورات عملية قابلة للتنفيذ.
كما أن الحضور الدبلوماسي المشهود لا ينبغي أن يظل محصوراً في المشاركة البروتوكولية أو التمثيل الرمزي، بل يتعين أن يتحول إلى رصيد من العلاقات والشراكات والمبادرات التي تخدم المصالح الوطنية، وتعزز صورة موريتانيا، وتفتح أمام شبابها وكفاءاتها فرصاً أوسع للتبادل والتعاون.
وفي ظل التحولات التي يشهدها العالم، وما تفرضه من تنافس على المعرفة والاستثمار والموارد البشرية، تصبح الحاجة ملحة إلى رؤية وطنية تستوعب أبناء موريتانيا في الداخل والخارج، وتمنحهم مساحة حقيقية للمشاركة في بناء الدولة والمساهمة في تحديد أولوياتها.
إن الرهان الحقيقي أمام منتدى الجاليات هو الانتقال من الحضور إلى التأثير، ومن تمثيل الجاليات إلى تمكين كفاءاتها، ومن المبادرات الفردية إلى العمل المؤسسي المنظم. فموريتانيا ليست حدوداً جغرافية فحسب، وإنما هي أيضاً رصيد بشري ممتد عبر العالم، قادر على الإسهام في نهضتها متى توفرت له قنوات المشاركة وآليات التنسيق.
وهكذا، فإن منتدى الجاليات، بما يطرحه من أفق للتواصل والحضور الدبلوماسي ودمج الخبرات الوطنية في الشأن العام، يفتح نقاشاً مهماً حول مفهوم المواطنة الممتدة، وحول ضرورة جعل الكفاءة والخبرة والانتماء الوطني عناصر أساسية في خدمة المصلحة العامة.
فالأوطان لا تُبنى بجهود المقيمين داخل حدودها وحدهم، وإنما تتقدم أيضاً بسواعد وعقول أبنائها في الخارج، حين يجدون من يصغي إليهم، ويستثمر خبراتهم، ويمنحهم فرصة المشاركة في صناعة المستقبل.
بقلم :العربي ولد زيدان
صحفي







