المدرسة الجمهورية في عامها الخامس: من مشروع إصلاحي إلى رهان على جودة التعليم بقلم: محمد عبد الرحمن سيداتي اجيه رئيس الائتلاف التربوي الموريتاني

هلا ريم الاخباري: ليس التعليم قطاعا من قطاعات الدولة فحسب، بل هو الأساس الذي تبنى عليه الدولة والمجتمع والمواطن. ولذلك ظلت موريتانيا، منذ الاستقلال، تبحث عن الصيغة التي تمكنها من بناء منظومة تعليمية تجمع بين الحفاظ على الهوية، وتوحيد المسار التعليمي، وتحقيق الإنصاف والجودة.
وقد تعاقبت الإصلاحات التربوية منذ إصلاحات 1967 و1973 و1979 و1999، لكنها لم تتمكن من معالجة جميع الاختلالات المتراكمة. ومن هنا جاء مشروع المدرسة الجمهورية الذي رفعه فخامة الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني إلى مستوى الخيار الاستراتيجي، باعتباره مشروعا لإعادة الاعتبار للمدرسة العمومية، وتوحيد المسار التعليمي، وتقليص الفوارق بين أبناء المجتمع، وتعزيز قيم المواطنة واللحمة الوطنية.
لقد دخل المشروع عامه الخامس ، ووصل مسار الإصلاح خلال السنة الدراسية الحالية (2026–2027) إلى محطة السنة السادسة من التعليم الأساسي، مع الاستعداد لتدريس المواد العلمية باللغة العربية في هذا المستوى، وهو ما استدعى تكوين 250 مفتشا والتحضير لتكوين 2887 معلما.
وإذا كان من الإنصاف الاعتراف بأن السنوات الماضية شهدت تعبئة كبيرة للموارد البشرية والمادية، فإن الأهم اليوم هو الانتقال من مرحلة بناء شروط المدرسة الجمهورية إلى مرحلة ترسيخ نتائجها.
فقد شهد القطاع توسعا في البنية التحتية، واكتتاب أعداد كبيرة من المدرسين، وتوفير الكتب والطاولات والزي المدرسي، وتطوير المناهج والتكوين، وإدخال أدوات رقمية جديدة، إلى جانب إجراءات لتحسين التسيير والحكامة. وتشير الحصيلة الحكومية إلى بناء آلاف الحجرات الدراسية واكتتاب أكثر من 11 ألف مدرس بين 2019 و2024، إضافة إلى اكتتابات لاحقة، في إطار هدف مضاعفة أعداد المدرسين مقارنة بعام 2019.
كما برز في السنوات الأخيرة اهتمام متزايد بتحسين وضعية المدرس، باعتباره حجر الزاوية في أي إصلاح تعليمي. ومن أبرز المستجدات في هذا المجال إنشاء صندوق دعم سكن المدرسين، الذي صادق مجلس الوزراء على مشروع إنشائه سنة 2025 استجابة لمطلب أساسي من مطالب المدرسين.
ولم يبق الصندوق مجرد فكرة؛ فقد انطلق فعليا في مايو 2026، حين أشرف رئيس الجمهورية على توزيع الدفعة الأولى، التي بلغت 6.917 مليار أوقية قديمة لفائدة 1372 مستفيدا، بينهم 189 امرأة من المدرسين والمؤطرين والإداريين ممن أمضوا 15 سنة على الأقل في قطاع التعليم.
ويمثل هذا الصندوق، إلى جانب ما سبقه من تحسينات في الرواتب والعلاوات والترقيات، تحولا مهما في التعاطي مع البعد الاجتماعي لمهنة التدريس؛ لأن إصلاح المدرسة لا يمكن أن ينجح بمعلم يشعر بالاستقرار والكرامة المهنية والاجتماعية فقط ، بل يحتاج إلى مدرس قادر على التفرغ لرسالته التربوية وهو مطمئن على ظروفه الأساسية.
وفي السياق نفسه ، تتواصل إجراءات ترسيخ مبدأ الإنصاف داخل المدرسة الجمهورية ، ومنها توفير الزي المدرسي ؛ إذ جرى في إطار التحضير للسنة الدراسية 2026–2027 إبرام اتفاقيات لإنتاج وتوفير عشرات الآلاف من الأزياء المدرسية لفائدة تلاميذ التعليم العمومي.
غير أن بلوغ المدرسة الجمهورية غايتها النهائية لا يقاس بعدد الحجرات المشيدة أو المدرسين المكتتبين أو الكتب الموزعة، وإنما بما يحدث داخل القسم: ماذا يتعلم الطفل؟ وما مستوى القراءة والحساب والعلوم لديه؟ وهل يحصل جميع الأطفال في العاصمة والداخل، وفي المدارس المختلفة، على فرص تعليم متقاربة في الجودة؟ وهل أصبح المدرس أكثر تكوينا وتحفيزا وقدرة على أداء رسالته؟
وهنا تكمن المهمة الأساسية للمرحلة المقبلة.
فالمدرسة الجمهورية ينبغي أن تنتقل تدريجيا من سؤال «كيف نعممها؟» إلى سؤال «كيف نضمن جودتها؟» ومن التركيز على توفير المدخلات إلى قياس المخرجات ؛ ومن مجرد الالتحاق بالمدرسة إلى ضمان التعلم الحقيقي والاستبقاء والنجاح والإنصاف.
*إن المرحلة الجديدة تتطلب، في تقديري، خمسة رهانات أساسية:*
*أولا* : *جودة التعلم* ، من خلال تحسين المناهج وطرائق التدريس والتقويم، والتركيز على المهارات الأساسية.
*ثانيا* : *الاستثمار في المدرس* ، تكوينا وتأطيرا وتحفيزا وتحسينا مستمرا للظروف المهنية والاجتماعية.
*ثالثا* : *الإنصاف* ، حتى لا يكون موقع الطفل الجغرافي أو وضع أسرته عاملا حاسما في نوعية التعليم الذي يحصل عليه.
*رابعا* : *الحكامة والمساءلة* ، من خلال ربط الموارد بالنتائج، ومتابعة الحضور والأداء، وتفعيل أدوار الإدارة والتفتيش وآباء التلاميذ والمجتمع المدني.
*خامسا : قياس الأثر* ، لأن نجاح الإصلاح لا ينبغي أن يظل مرتبطا بحجم الإنفاق أو عدد المشاريع ، وإنما بما تحققه المدرسة من تعلم فعلي وتكوين متوازن للمواطن.
إن المدرسة الجمهورية اليوم ليست مجرد شعار أو إجراء إداري، بل مشروع وطني طويل المدى. وقد قطعت موريتانيا في سبيله خطوات مهمة، لكن اكتمال البناء يتطلب أن تتحول هذه الخطوات إلى نتائج تعليمية مستدامة يشعر بها التلميذ والمدرس والأسرة والمجتمع.
ومع دخول المشروع عامه الخامس ووصول الإصلاح إلى السنة السادسة من التعليم الأساسي، فإن السؤال لم يعد: هل بدأت المدرسة الجمهورية؟ فقد بدأت بالفعل؛ وإنما أصبح السؤال الأهم: أي مدرسة جمهورية نريد أن نتركها لأجيال موريتانيا القادمة؟
إنها مدرسة موحدة في مسارها، راسخة في هويتها، منفتحة على العصر، عادلة في فرصها، جادة في تعليمها، كريمة مع مدرسيها، وقادرة على تخريج مواطن متعلم ، معتز بوطنه، متشبع بقيم المواطنة، وقادر على المشاركة الفاعلة في بناء موريتانيا.
وهذه، في النهاية، هي قيمة الإصلاح الحقيقي: أن ينتقل من مشروع رئاسي إلى إنجاز وطني مستدام، ومن القرارات والسياسات إلى واقع يلمسه كل طفل ومدرس وأسرة في موريتانيا.
وفي الأخير أسجل بارتياح خطاب فخامة رئيس الجمهورية من مدينة شنقيط، إبان زيارته الأخيرة لولاية آدرار، حين قال: «أوصيكم بالتعليم، ثم التعليم، ثم التعليم…». وهي وصية تختصر جوهر الرهان الوطني، وتؤكد أن التعليم ليس ملفا عابرا، بل أولوية دائمة، وشرطا أساسيا لبناء موريتانيا التي نريد.
________
نواكشوط: فاتح أكتوبر 2026







