الدولة والفئوية : أزمة بنية لا أزمة أفراد

هلا ريم الاخباري: تشهد موريتانيا، على غرار كثير من دول الجنوب، تحولات عميقة في علاقة الدولة بالمجتمع، وفي طبيعة السلطة وحدودها. فلم تعد الدولة ذلك الفاعل المركزي القادر على احتكار القرار وضبط المجال العام بالوسائل التقليدية، كما لم تعد وحدها مصدر الشرعية أو التمثيل. في المقابل، برزت قوى اجتماعية وإعلامية واقتصادية متعددة، أعادت تشكيل موازين التأثير داخل المجال الوطني، وفرضت أنماطا جديدة من التفاعل السياسي.
غير أن الممارسة السياسية في بلادنا ما تزال، إلى حد بعيد، محكومة بتصور تقليدي للدولة، يقوم على مركزية القرار، وإدارة التوازنات الاجتماعية، والاعتماد على شبكات الولاء بدل المؤسسات. وقد ارتبط هذا النموذج تاريخيا بمحاولات الحفاظ على الاستقرار عبر استيعاب البنى القبلية والجهوية داخل الدولة، لكنه مع مرور الوقت تحول من أداة احتواء إلى آلية لإعادة إنتاج الانقسام؛ ما يحمل السلطة المسؤولية الأولى عنه.
لم يعد المجتمع الموريتاني كما كان، فقد تغيرت تطلعاته وتوسعت دائرة الفاعلين داخله، وتأثر بوسائل إعلام جديدة فتحت المجال أمام تعبيرات متعددة، بعضها يعكس مظالم حقيقية، وبعضها يعيد إنتاج الانقسامات. وفي هذا السياق، لم تعد الشرعية تبنى على السيطرة أو الخطاب، بل على القدرة على الإقناع وتقديم نموذج عادل في توزيع الفرص.
تتجلى الأزمة بوضوح حين ننظر إلى كيفية اشتغال الدولة في مجالات التوظيف والترقية وتوزيع الموارد، فبدل أن تكون هذه الآليات قائمة على الكفاءة والاستحقاق، غالبا ما تتأثر باعتبارات الانتماء الاجتماعي، مما يعزز الإحساس بعدم العدالة، ويفقد الحديث عن المواطنة وتكافؤ الفرص أو حياد المؤسسات معناه العملي؛ ويدفع الأفراد والجماعات إلى البحث عن تموقعهم عبر قنوات غير مؤسسية. وهنا تتحول الفئوية من مجرد انتماء اجتماعي إلى أداة للوصول إلى الموارد والفرص والتمكين.
إن تفسير هذه الظاهرة لا يمكن اختزاله في ضعف الوطنية أو خلل أخلاقي لدى الأفراد، بل ينبغي فهمه ضمن سياق أوسع، يتمثل في تداخل عدة عوامل: بنية اجتماعية تقليدية لا تزال قوية الحضور، ودولة لم تكتمل عملية تحولها إلى دولة مواطنة، ومؤسسات مجتمع و مدني و أحزاب ضعيفة ؛ واقتصاد يميل إلى الطابع الريعي، إضافة إلى تأثيرات خارجية متزايدة. هذه العوامل مجتمعة تخلق بيئة تدفع نحو إعادة إنتاج الفئوية بدل تجاوزها.
في هذا الإطار، لم يتمكن المجتمع المدني الوطني من لعب الدور المنتظر منه كوسيط بين الدولة والمجتمع. فضعف استقلاليته، ومحدودية موارده، وتداخل انتماءاته، جعلت قدرته على إنتاج خطاب وطني جامع محدودة. كما أن الأحزاب السياسية، التي يفترض أن تكون أدوات للتأطير والتمثيل، بقيت في كثير من الأحيان مرتبطة بالبنى التقليدية، وتعتمد على الكتل الاجتماعية النافذة، مما حد من قدرتها على تجاوز منطق الانقسام؛ فعندما تغلق قنوات التمثيل الانتخابي العادل، وتحتكر الموارد حسب الولاء، يصبح الانتماء الضيق أداة عقلانية للدفاع عن المصالح، ومع تزايد الإحساس بعدم تكافؤ الفرص، تتآكل الثقة في المؤسسات، ويزداد الميل نحو الاحتماء بالهويات الفرعية، سواء كانت قبلية أو جهوية أو فئوية على حد سواء.
وقد ساهم انتشار وسائل التواصل الاجتماعي في تعميق هذه الظاهرة، من خلال تضخيم السرديات الجزئية، وتكريس منطق الاستقطاب، في ظل غياب رؤية وطنية قادرة على استيعاب التنوع ضمن إطار جامع.
إن خطورة هذا المسار لا تكمن فقط في تصاعد الخطاب الفئوي، بل في تحوله إلى بنية منظمة تؤثر في التعيينات، وفي توزيع الموارد، وفي التعبئة وتشكيل الرأي العام. ومع استمرار هذا الوضع، يبرز خطر تعدد مراكز القوة داخل الدولة، بما قد يؤدي إلى إضعافها تدريجيا ويقوض قدرتها على فرض قواعد عادلة للجميع.
إن تجاوز هذه الوضعية يتطلب الانتقال من منطق إدارة التوازنات إلى منطق بناء القواعد الاجتماعية والسياسية المؤسسية. ويبدأ ذلك بإصلاح جدي لآليات التوظيف والترقية، من خلال اعتماد معايير شفافة قائمة على الكفاءة، وتقليص تأثير الانتماءات الضيقة في القرار السياسي والإداري. كما يقتضي الأمر مراجعة السياسات الاقتصادية للحد من الطابع الريعي، وتوسيع قاعدة الفرص، بما يقلل من الحاجة إلى الاحتماء بالفئوية.
وفي موازاة ذلك، لا بد من تمكين المجتمع المدني وتعزيز استقلاليته، ليكون قادرًا على لعب دور الوسيط، وإنتاج خطاب جامع يعكس المصالح الوطنية. كما يتعين إصلاح الحقل الحزبي، عبر ترسيخ الديمقراطية، وتشجيع بروز نخب سياسية تحمل مشاريع تتجاوز الحسابات التقليدية؛ ومنحه فرص التأثير الحر في الارادة الجمعية للمجتمع.
ويبقى البعد الثقافي عنصرا حاسما، إذ يتطلب الأمر بناء سردية وطنية جامعة تعيد الاعتبار لفكرة المواطنة الجادة، والتوازن بين الاعتراف بالتنوع ورفض تحويله إلى أداة لتسيير التوازنات داخل السلطة أو أداة للصراع.
فالفئوية لا تمثل أصل الأزمة، بل هي تعبير عن اختلالات أعمق في بنية الدولة والمجتمع. ومعالجة هذه الظاهرة لا تكون بالإدانة أو الاحتواء، بل بإصلاح الشروط التي أنتجتها من خلال مشروع إصلاحي جاد، يقوم على العدالة وتكافؤ الفرص، قادر على إعادة بناء الثقة، وفتح أفق سياسي يتجاوز منطق الفئات نحو أفق الدولة الوطنية الجامعة.
الشيخ سيدي أحمد حيدا







