مقالات وتحليلات

السلطة الرابعة.. عين الحقيقة التي لا تنام

هلاريم الإخباري: في عالم تتصارع فيه الأصوات وتتعالى فيه الشعارات، يبقى للإعلام مقامٌ فريد لا يُدانيه غيره، مقامٌ لا يُمنح من سلطة، ولا يُنتزع بمرسوم، بل يُكتسب من ثقة الشعوب وعمق تأثيره في الضمائر والعقول. فالإعلام، وإن لم يكن جزءًا من البنيان الرسمي للسلطات الثلاث: التنفيذية، والتشريعية، والقضائية، إلا إنه يقف شامخًا في مقامٍ لا يقل أهمية، بل لعله أكثر خطورة… مقام السلطة الرابعة.

الإعلام ليس موظفًا في مكاتب القرار، ولا تابعًا في دهاليز السياسة، بل هو الروح التي تسري في جسد المجتمع، تراقب لا تتجسس، تنقد لا تهدم، تُضيء العتمة ولا تُشعل الحرائق. مهمته أن يُمسك بمرآته الكبيرة، ويقف أمام المؤسسات النافذة ليقول لها: “هل ترون أنفسكم كما يراكم الناس؟”.

إنه صوت الضمير حين يصمت القانون، ويد الحقيقة حين ترتجف العدالة، وميزان العقل حين تميل كفة المصالح. هو الشاهد الذي لا يُرتشى، والحبر الذي لا يجف، والميكروفون الذي لا يعرف المجاملة ولا الرضوخ.

ففي زمن تغيب فيه الشفافية، يُصبح الإعلام هو العين التي ترى ما لا يُرى، والأذن التي تلتقط ما يُهمس، واللسان الذي يصرخ نيابة عن المقهورين والمُهمّشين. إنه صوت الشعوب إذا خافت أن تتكلم، ونبض الأوطان إذا خافت أن تُحب.

لهذا لم يكن الإعلام “ترفًا حضاريًا” أو “وظيفة فنية”، بل هو التزام أخلاقي، ودور إنساني، ورسالة لا يحملها إلا من امتلك الشجاعة ليقف وحيدًا في وجه الزيف، وليقول للحقيقة: “أنا لكِ، وإن خذلكِ الآخرون ”.

الإعلام سلطة لا تُشرّع القوانين، لكنها تفضح من يلتف حولها. لا تصدر الأحكام، لكنها تضيء الطريق أمام العدالة. إنه السلطة التي تكتب التاريخ، لا في كتب المدارس، بل في وجدان الشعوب.

فليكن الإعلام حرًا، نزيهًا، لا يُسلّح إلا بالكلمة، ولا يتحصّن إلا بالمصداقية. فإن مات الإعلام أو استُعبد، خرسَت الشعوب، وعمّت العتمة، وساد الظلم ولو رفرفت فوقه ألف راية وطن.

وتأسيساً على ما سبق، فإن الحرية لا تُقاس بعدد الكراسي في البرلمان، ولا بعدد القضاة في المحاكم، بل تُقاس على النقيض من ذلك، بعدد الأقلام التي لا تخاف أن تكتب، وعدد الأصوات التي لا تخشى أن تصرخ. فالإعلام ليس تابعًا لأحد، إنه حليف الحقيقة، وصديق المستقبل، وسيدُ نفسه في حضرة كل السلطات.

بقلم: مرزوق بن علي الزهراني

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى