أخبار محلية

مكارم الأخلاق بين الصبر والصفح والعطاء

هلاريم الإخباري: يمثّل الأدب العربي في نصوصه الشعرية والحِكمية مرجعًا خالدًا لمكارم الأخلاق، إذ يعكس منظومة من القيم التي رسّخها الدين والتقاليد، وارتقت بها التجربة الإنسانية. ومن بين تلك النصوص، تبرز أبيات الشاعر زين العابدين بن الشيخ عبدالله بن بيه، التي يقول فيها:

سنَصبرُ، حتّى يَحسِبَ النّاسُ أنّنَا
مَرَرنا ولَم نَسمَع بِمَا قِيلَ أو نَدري

سَنصفَحُ، لا نَرجُو مِن الصّفحِ مِنّةً
ونُعطي، وهَذا الدّأبُ في العُسر واليُسرِ

لنَا الشّيمةُ الحَسناءُ في كلّ حالةٍ
وكُلّ فِعَالِ الحُــرِّ مَا لَاقَ بالحُــر

هذه الأبيات ترسم معالم شخصية متكاملة، ترتقي في سلّم الأخلاق من الصبر إلى الصفح، ومن العطاء إلى الثبات على الشيمة الحسناء، لتقدّم لنا نموذجًا للحرّ الذي لا تغيّره تقلبات الحياة.

الصبر الذي أعلنه الشاعر ليس خنوعًا ولا استسلامًا، بل هو موقف إرادي وواعٍ، يبلغ حدًّا يجعل الناس يظنّون أنّ صاحبه لم يسمع الأذى أصلًا. وهذا المعنى يعكس التصور القرآني للصبر باعتباره قيمة إيجابية: ﴿وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ﴾. ثم يبيّن أن الصفح عنده لا يُراد به تحصيل شكر أو اعتراف، بل هو عفو خالص لوجه المروءة، وهو ما يوازي قوله تعالى: ﴿فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ﴾، أي العفو الخالي من الاستعلاء والتذكير بالفضل.

ويمضي الشاعر إلى تصوير العطاء باعتباره دأبًا دائمًا لا يتأثر بالظروف المادية، في السراء كما في الضراء، مما يذكّر بالوصف القرآني: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ﴾. فهذا الكرم أصيل في النفس، يعبّر عن هوية الحرّ الذي لا يتخلى عن مكارم الأخلاق مهما ضاقت الحال.

ويختتم الشاعر أبياته بتوكيد أنّ الشيمة الحسناء ملازمة لهم في جميع الأحوال، وأنّ فعال الحرّ لا يلاقيه إلا حرّ مثله، في حكمة تذكّر بالمثل العربي القديم: «الحر بالحر، والبادئ أكرم.»

إن أبيات زين العابدين بن الشيخ عبدالله بن بيه ليست مجرد شعر، بل هي بيان أخلاقي ومنهج حياة يقوم على صبر يحفظ الكرامة، وصفح يطهّر النفس، وعطاء يعمّ بالخير، وشيمة حسناء تُثبّت هوية الإنسان الحر. وبهذا المعنى، فإنها تتجاوز حدود القول لتقدّم درسًا خالدًا في فن الارتقاء بالنفس، وتعيد تعريف القوة الحقيقية بأنها في الصبر والصفح والعطاء، لا في الغلبة أو الانتقام.

محمد محمود R.99-86

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى