موريتانيـا:الصناع التقليديون يشكون من تبعات كورونا / أموه أحمدنـاه

هلا ريم الإخباري : في قلب العاصمة نواكشوط تمتد على مد البصر محلات الصناعة التقليدية،حيث الأدوات والمعدات المصنوعة يدويا،ويشرف عليها رجال نذروا أنفسهم لهذه الصناعة التي يتوارثها الآباء عن الأجداد والأبناء عن الآباء،وتشكل جزءا مهما من الثقافة والذاكرة الموريتانية التي تتميز بتنوعها وعراقتها،غير أن مكانة هذه الصناعة لم تشفع لها أمام دورة الزمن وتعاقب الليل والنهار،الأمر الذي يشير له محمذن وهو صانع تقليدي لا يبغي عن هذا العمل بدلا وفق تعبيره،وعن تأثيرات كوفيد يضيف قائلا:
“إهمال الصناعة التقليدية ليس وليد كورونا بصراحة،طوال السنوات الماضية تم تغييبنا عن مشاهد كثيرة،ولم نحظ بالرعاية التي نستحق لقاء مساهمتنا في القضاء على البطالة والمحافظة على جزء كبير من تراث وتاريخ هذه الأرض،نحن نُشجع ونلقى الدعم من جهات خارجية تتمثل في السياح أكثر من المواطنين الأصليين،هم يدفعون لقاء منتجاتنا بسخاء ويترددون علينا كل ما وضعوا أقدامهم في هذه البلاد،وتغييب الصناعة التقليدية عن المشهد العام تجيب عليه الأيام أكثر،وما الأحداث الخارجية الأخيرة ببعيد،حيث تم إقصاء الصناع التقليديين دون مبرر،وهذه حادثة واحدة من حوادث كثيرة حدثت وعلى الغالب ستحدث في المستقبل،هذا إذا لم توجه عين الرعاية صوب هذا القطاع الحيوي”.
في موريتانيا حظيت الصناعة التقليدية بالكثير من التقدير خلال السنوات الماضية،غير أن جلّ من تحدثوا إلينا يؤكدون أن ذلك التقدير لم يعد موجودا،مع أنها تشكل تراثا عريقا شاهدا في محكمة الحياة على جزء من تاريخ الإنسان الموريتاني،وهي التي استطاع القائمون عليها توفير الحاجيات عندما لم يكن للصناعة الأجنبية دور في البلاد،وقد حاولت الحكومة الموريتانية خلال السنوات الأخيرة إعطاء العناية لهذا القطاع،من خلال التمويل والقروض الميسرة والتكوين والإشراك والتشجيع والدعوة لاقتناء ما ينتج أصحابه،غير أن الأمر لم يأت بنتائج كبيرة كما يقول عبد الله،وهو السبعيني الذي شابت ولدانه ووهن عظمه في هذا المجال الذي ورثه من السلف،ويخاف أن يتركه الخلف بالنظر للوضعية التي تقبع فيها هذه الصناعة،حيث الدخل المحدود والغائب في بعض الأيام،خاصة أيام كورونا التي يستحضرها بقولـه:
“في ذروة انتشار الفيروس طالنا الإغلاق الذي شمل باقي المحلات،حيث لم يستثن سوى المحلات التجارية التي تبيع المواد الغذائية الأساسية،ولم يكن أمامنا من خيار غير انتظار فرج الله،توقفت أنشطتنا تماما ولم يعد لنا من دخل يذكر،وبالتالي فطوال سبعة أشهر كنا ندفع إيجار المحلات المغلقة في أغلب الأوقات،ولا ندري حقيقة كيف كنا سنتجاوز تلك المرحلة الصعبة لولا لطف الله ومنّه وفضله عز وجل،وفي الوقت الذي كنا ننتظر تعويضا أو مساعدة بصرف النظر عن طبيعتها من الدولة،فإن الأمر لم يحدث ولا حديث عنه من لدن الجهات المختصة،وهي حالة لم نجد لها تفسيرا ولا مبررا،ونتمنى أن تجد أصواتنا المطالبة بالمساعدة آذانا صاغية عند الحكومة”.
يعمل الصانع التقليدي على اقتناء المواد الأولية التي يصنع منها الأدوات المعروضة للبيع،ويحرص على أن تخرج هذه الأدوات في أبهى الحلل سعيا لنيل اهتمام الزبون،غير أن كوفيد غير مجرى العملية التي سارت بها حياة الصناع خلال السنوات الماضية،فلم يعد المعروض للبيع يحظى بكبير اهتمام،ويتطرق للأمر الدكتور والأستاذ بجامعة نواكشوط العصرية بتار العربي بقوله:
“تأثيرات جائحة كورونا لم تشمل أصحاب الصناعة التقليدية دون غيرهم،لقد شملت تأثيراتها الكثير من المهن التي كانت تمثل الدخل الوحيد لأصحابها،ولا أريد هنا الخوض في الأمور من الناحية الصحية التي لها أصحابها وأدرى مني بكل تأكيد،وإنما من الناحية العملية الإنسانية،حيث يعتمد المرء في قوت يومه على هذا العمل،فهذه الجائحة أغلقت جميع المنافذ على المجتمع والفرد،حيث أجبر على البقاء في البيت،وهذه الأمور جعلت أصحاب الصناعة التقليدية يعيشون في عزلة،وما دامت دواعي الاحتراز تمنع لمس الأشياء وفي أحسن الأحوال بتحفظ،فإن صناعتهم أصبحت تعيش على وقع الكساد،وهذا واقع صعب جدا فالمراد من الصناعة هو الدخل،وفي هذه الظرفية انعدم الدخل،الأمر الذي انعكس على المعاش وبالتالي المستوى الأسري”.
الإجراءات الوقائية شملت إغلاق المجال الجوي،حيث أصبحت كل دولة تنأى بنفسها مخافة تفشي الوباء،الأمر الذي كان وراء توقف السياح الذين يقتنون الكثير من أدوات الصناعة التقليدية،وهو السبب الذي شكل ضربة قوية لهذه الصناعة التي يعول أصحابها على السياح،حيث يأتون سنويا تدفعهم الرغبة للوقوف على هذه الصناعة التقليدية،ويسكنهم الفضول في اكتشاف معالم موريتانيا السياحية،ومعلوم كما يقول القائمون على هذه الصناعة أنها لا تلقى كبير عناية عند الإنسان الموريتاني،وإن كان يثني عليها في الكثير من المحافل كما يشير سيدي محمد وهو يزيد:
“يتفق الموريتانيون على أهمية الصناعة التقليدية،إنهم يعربون عن ذلك كل ما جاء الحديث عنها،غير أن تلك الأهمية لم تنعكس على هذه الصناعة،فالبيوت الموريتانية تتزين بالمنتجات الأجنبية،والجميع يفضلها على ما أنتجت وأشرفت عليه الأيادي الموريتانية،الأمر الذي يعتبر تناقضا ما فوقه تناقض،وهذه الوضعية بدون شك فاقمها كوفيد عندما ظهر في البلاد،حيث فرض مجموعة من القوانين الجديدة،وهذه القوانين وجدت أمامها ما تطرقنا له من عدم إقبال على هذه المنتجات،وتحت وقع كوفيد وعدم الإقبال أصبحت تتلخص يومياتنا طوال الفترة الماضية”.
وتتحدث الباحثة الاجتماعية منت وهب الوالد عن أهمية الصناعة التقليدية والإستراتيجية التي كان يمكن للدولة الموريتانية اتباعها قائلة:
“لا يختلف اثنان على دور الصناعة التقليدية في الماضي والحاضر،فهي جزء كبير من تاريخنا وموروثنا الثقافي،والعاملون فيها قد تضرروا بكوفيد كغيرهم دون شك،تعلمون ما دعت إليه الإجراءات الاحترازية من توقف الأنشطة بصفة عامة،غير أنه كان من الوارد أن تجري الدولة اجتماعا بمن يمثل هؤلاء العمال،وأن يتم التوصل لمساعدات ولو رمزية تسهم في الحد من تبعات الجائحة،لتشجيعهم على المواصلة والعض بالنواجذ على هذا الإرث الثقافي،وغياب الدولة عن المشهد قد يولد الكثير مما لا تحمد عقباه،أقله أن يولي هؤلاء وجوههم شطر مجال آخر فتندثر هذه الصناعة التي تمثل حقبة من تاريخ الإنسان،وتبعث له الأواصر بين الماضي والحاضر “.
تشكل الصناعة التقليدية موروثا ثقافيا يطالب القائمون عليه بالرعاية،فقد زاد الوباء العالمي من وطأة الأوضاع التي كانت تعيش على وقعها لسنوات،وربما تصلح عناية الجهات المختصة ما أفسده ثلاثي الإهمال والتغييب وكوفيد.
تم نشر هذا التقرير بدعم من JHR/JDH – صحفيون من أجل حقوق الإنسان والشؤون العالمية في كندا.







