الاخوة الأعداء

هلا ريم الإخباري: المتتبع للمشهد السياسي المحلي سيطرح العديد من التساؤلات حول الأسباب الكامنة وراء اتساع الهوة بين رجل اليوم ولد الشيخ الغزواني ورجل الأمس ولد عبد العزيز ؟؟؟
الرجلان كانت تربطهما علاقة أخوة وصداقة طويلة الأمد امتدت لسنوات من الزمن بسبب طبيعة وظروف العمل التي جمعتهما تحت سقف واحد وتعززت تلك العلاقة وتوطدت بعد أن قادا انقلاب 2008 وأطاحا بأول رئيس مدني سيدي ولد الشيخ عبد الله بعد ان حاول الأخير أن يبعدهما عن طريقه السياسي وعن عدم التدخل في شؤونه وقراراته.
ولكن الرياح جرت بما لا يشتهيه ولد الشيخ عبد الله حيث تمت الإطاحة به من طرف الجنرال ولد عبد العزيز ورفيق دربه ولد الشيخ الغزواني ، وينصب الجنرال نفسه رئيسا للبلاد بمنطق القوة ويجعل من رفيق دربه ساعده الأيمن ورغم المحاولات الفاشلة للعودة إلى الشرعية من طرف الاحزاب السياسية وهيئات المجتمع المدني والتدخلات الدولية ، استطاع ولد عبد العزيز كسب ود الرأي العام من خلال تبنيه لشعار رئيس الفقراء وتمكنه من إسراع وتيرة إنجاز العديد من المشاريع التي كانت نائمة وهو ما زاد من شعبيته ورفع من أسهمه ليستفيد من اتفاق دكار بين الأطياف السياسية الوطنية ويدخل انتخابات 2009 بمعنويات مرتفعة ويكسب الرهان ويفوز بفارق مريح على منافسيه .
بعد أن جكم بيد من حديد على زمام الأمور تعززت العلاقة بينه وبين رفيق دربه ولد الشيخ الغزواني الذي جعله ساعده الأيمن بتعيينه قائدا للأركان طيلة العشرية ، قبل أن يجهزه لخلافته بتعيينه لمدة ستة أشهر وزيرا للدفاع ليبتعد قليلا عن السلوك العسكري ويقترب أكثر من السلوك المدني ليعلن بعد ذلك ولد عبد العزيز أن رفيق دربه هو من سيكون خليفته في السلطة بعد انتهاء مأموريته الثانية والأخيرة .
من جهته رفيق الدرب سبق له وأن حفظ عهد صديقه وأخوه الذي لم تلده أمه بعد حادثة الرصاصة التي كادت أن تودي بحياة الجنرال ونقل على إثرها إلى فرنسا حيث قضى فترة طويلة لتلقي العلاج ، وكان بإمكان ولد الغزوان استغلال الفرصة والإعلان عن عجز صديقه وعدم قدرته على مزاولة مهامه ولكن فضل حفظ العهد للصديق وواصل تسيير عمل الحكومة وترك الأمر في يد الوزير الأول وحكومته ريثما تتحسن الحالة الصحية لرفيقه وبالفعل شفي الجنرال وعاد سالما معافا لأرض الوطن وواصل عمله وبرامجه رفقة صديقه وتعززت العلاقة ليواصلا معا تسيير شؤون البلاد والعباد معا .
وبعد الإعلان الرسمي عن ترشيح الحزب الحاكم لرفيق درب الرئيس المنتهية ولايته الثانية ، جاءت انتخابات 2019 التي حسمها ولد الغزواني بفارق مريح بعد أن أطلق برنامجا طويلا تحت عنوان “تعهداتي” شمل جميع المجالات .
وبعد خمسة وأربعين يوما تسلم ولد الشيخ الغزوواني السلطة من طرف رفيق دربه أمام أعين الجميع وهنأه وذهب الرئيس الجديد للقصر الرئاسي وحجز الآخر تذكرته رفقة العائلة إلى خارج أرض الوطن ، ولكن تلك الرحلة لم تدم طويلا حيث ان الجنرال أصابه الحنين إلى الماضي وعاد بأفكار جديدة مشحونا بما كان يردد الساسة بأنه هو مرجعية الحزب الحاكم والأب المؤسس وبأن رفيق الدرب أجلس على الكرسي بإرادته هو ورغبته وبعد انتهاء المأمورية ستعود المياه إلى مجاريها الطبيعية كما أعتقد ولد عبد العزيز أن رفيق دربه سيشركه معه في تسيير شؤون البلاد والعباد ، ومن بدأت الشرارة الاولى للأزمة بين الإخوة الأعداء وتفاقمت تلك الأزمة بعد الأحداث التي صاحبت الفعاليات المخلدة لعيد الاستقلال الوطني التي أقيمت بعاصمة ولاية إنشيري “اكجوجت” مسقط رأس ولد عبد العزيز وذلك بعدما علم الرجل أن لبروتوكول الخاص بتنظيم الفعاليات لن يسمح له بأن يجلس بالجانب الأيمن لرفيق دربه والرجل الذي كان هو السبب في جلوسه على الكرسي الرئاسي، فلبروتوكول يقتضي حلوسه مع الرؤساء السابقين .
وتم الحديث في ذلك الوقت عن محاولة انقلاب طبخت في الخفاء وعلى إثرها تم تغيير مراكز العديد من قادة الحرس الرئاسي كانوا مقربين من ولد عبد العزيز وقيل بأنه هو نفسه وضع تحت دائرة الرقابة الأمنية المشددة .
وبعد فترة خرج الرئيس السابق للإعلام وتحدث عن العديد من النقاط من ضمنها تلك المضايقات التي تعرض لها وعن خذلانه من طرف من كانوا بالأمس مقربين منه وحاشيته وتركوه وحيدا وكأن لسان حاله “يردد لو أني أعرف أن البحر عميق جدا ما أبحرت” .
ومما زاد الطين بلة واتساع الهوة بين الإخوة الأعداء هو الاتهامات المتعلقة بفساد العشرية و بامتلاك ولد عبد العزيز لأموال طائلة تحصل عليها من أموال الشعب من خلال الصفقات العديدة التي أبرمها الرجل خلال فترة حكمه ، ليتم نقله إلى الإدارة العامة للأمن والتحقيق معه من طرف شرطة الجرائم الاقتصادية والمفارقة في هذا الأمر هي أن الرئيس نفسه الذي كان على ذمة التحقيق حمل نفس الشعار خلال فترة حكمة ، شعار “محاربة الفساد والمفسدين” لينقلب السحر على الساحر ويصبح هو نفسه ضمن قائمة المفدسين المطلوبين والمطالبين برد أموال الشعب .
ومن المؤكد أن هذه الخطوة التي قام بها صديق الامس ورفيق الدرب وعدو اليوم زادت من حدة توتر العلاقة بينه وبين أخوه وصديقه حتى أن البعض يشك في استحالة أن يكون هناك خلاف بين الرجلين وبأن هذا فقط مجرد لعبة سياسية الههدف منها إقناع الرأي العام بأن الرئيس الجديد يحاول إصلاح ما أفسده رفيق دربه ، لإسكات الرأي العام وتناسيه للظروف الاقتصادية الصعبة وغياب التنمية والبنا التحتية .
ولكن من الزاوية الأخرى هناك من يرى أن الرجل جاد في سعيه إلى مصالحة الذات وتطبيق برنامجه وتعهدات التي أقسم ذات يوم بأنه سيفي وبأن تخليه عن رفيق دربه وتشديد الخناق عليه يدخل ضمن قاعدة “أنصر أخاك ظالما أو مظلوما” فهو يريد ان يضع الأخوة والصداقة على جانب والمصلحة العامة على جانب آخر ويحاول أن يصلح ما أفسده صديقه ولو اقتضى الأمر أن يخسر الود الذي كان بينهما من أجل تحقيق العدل واسترجاع أموال الشعب وفتح صفحة جديدة يهدف من خلالها إلى إعادة بناء البلد ووضع خطة جديدة لمحاربة الفساد والمفسدين حتى ولو كانوا أقرب المقربين.







