المهاجرون الأفارقة في موريتانيا: بين الواقع والتهويل

هلا ريم الاخباري: ا أعرف بالضبط الأسباب التي تدفع بعض المدونين للانزعاج والحذر من إخواننا الأجانب، وخصوصًا الأفارقة منهم. أعتقد أن هذا الكلام مبالغ فيه، فالهجرة ظاهرة عالمية لم تسلم منها أي دولة من الدول المغرية للعيش فيها. وللهجرة إيجابياتها وسلبياتها على الدول.
هناك مجموعة من الأسباب تجعل بلدنا من البلدان الجاذبة للمهاجرين، ومنها:
توفر العديد من الفرص.
عزوف الموريتانيين عن الأعمال الحرفية.
القرب من أوروبا.
تسامح المجتمع مع الأجانب وانفتاحه عليهم.
هذه العوامل جعلت موريتانيا وجهة مغرية للمهاجرين الباحثين عن حياة أفضل ودخل أعلى مما يجدونه في بلدانهم، بالإضافة إلى كونها طريقًا مختصرًا إلى الحلم الأوروبي.
لا شك أنكم تدركون أن أكثر دول العالم المتقدم تعتمد في اقتصادها على الأجانب المقيمين على أراضيها. وهذه الظاهرة ليست خاصة بالدول الغربية، فدول الخليج أيضًا تعج أسواقها وشوارعها وبيوتها بالأجانب، ومع ذلك، حافظت على خصوصياتها وعاداتها وتقاليدها وأمنها القومي. بل إن هؤلاء الأجانب ساهموا في انتعاش اقتصادي كبير في تلك الدول.
المشكلة لا تكمن في الأجانب بحد ذاتهم، وإنما في المنظومة الأمنية للبلد، والقوانين المنظمة لإقامتهم، وضبط الحدود، وفرض الضرائب عليهم، إضافة إلى رفض أي اتفاقية مع الأوروبيين تجعل موريتانيا سجنًا كبيرًا للمهاجرين غير الشرعيين.
أما الانزعاج والتخوف من جاليات دول شقيقة تربطنا بها علاقات دينية وتاريخية وثقافية، والتي فضّل رعاياها العيش معنا في بلدهم الثاني موريتانيا لما يرونه من فرص للعيش الكريم، فهذه انطباعات سيئة قد تسبب لنا الكثير من التوتر، ولا تخدم العلاقات بين الدول، بل قد تؤثر بشكل سلبي على مصالح جالياتنا في تلك الدول وعلى الاستثمارات الضخمة التي تقدر بالمليارات.
نحن نعلم أن الموريتانيين بطبعهم مجتمع مهاجر، يسعى وراء العيش الكريم والتكسب. وكانت الجارة السنغال الوجهة الرئيسية لأسلافنا قبل تأسيس الدولة، وحتى في العقود التي سبقت أحداث 1989. ولا تزال دول إفريقيا وجهة رئيسية للتجار الموريتانيين، بالإضافة إلى دول الخليج، وأخيرًا الهجرة الكبيرة إلى أمريكا. فهل يسرنا أن تتضايق الدول المستضيفة من جاليتنا، وتعاملهم برفض واحتقار كما يسعى البعض إلى ممارسته ضد الأجانب؟
لا أعتقد أن من الإنصاف واللباقة والدبلوماسية أن تنشغل وسائل التواصل الاجتماعي هذه الأيام بالحديث عن “خطورة” إخوتنا الأفارقة على نسيجنا الاجتماعي وأمننا القومي وثقافتنا العربية العريقة. أرى أن هذه مجرد دعاية واهية لبث الخوف والرعب بين شرائح المجتمع، وإقناعهم بضرورة الحذر من الأجانب، وخصوصًا الأفارقة، بحجة أنهم الأقدر على الانصهار في المجتمع نتيجة لامتدادهم العرقي فيه، أو أن هناك “مخططًا كبيرًا” لهم للتخلص من الشرائح الأخرى.
لا أعتقد أن هذا الكلام السخيف سيقنع أحدًا، ولا يمكن أن نقبله من نخبة من الكُتّاب، من المفترض أن يكونوا أكثر مسؤولية وحرصًا على الوحدة الوطنية، وألا يقحموا البلد في أزمات دبلوماسية مع جيرانه. كما يجب عليهم الوقوف على مسافة متساوية من جميع الأجانب، فالبلد يضم مهاجرين من مختلف الجنسيات، سواء عربًا أو آسيويين أو أفارقة، لكن التمييز ضد الأفارقة أمر مريب، مع أنهم الأقرب إلينا من جميع النواحي، وهذا ما يجعلنا نستغرب من حساسيتنا تجاههم.
يجب أن تتوقف حملات الشيطنة ضد إخوتنا الأفارقة من دول الجوار، الذين نعوّل عليهم في مجالات كثيرة، مثل البناء والصيد والأعمال المختلفة. كما يجب على الدولة ضبط الحدود، والمسارعة في تصحيح وضعيتهم المدنية، وبهذه الإجراءات يمكننا السيطرة على الوضع والعيش بسلام مع إخوتنا الوافدين، كما يحدث في جميع دول العالم.
الشيخ بديدي




