أخبار دوليةأخبار محليةتدويناتمقالات وتحليلات

عيونٌ تدمع، وأشخاصٌ يحدّقون في السماء بذهول، وأيدٍ مرتجفة

هلا ريم الاخباري: ترتفع بالدعاء إلى ربٍّ خلقها، لكنها تقف اليوم حائرة بين الألم والخذلان. جيوبٌ نُفضت، وأحلامٌ تبخّرت، ولم يبقَ لهؤلاء سوى التسكّع أمام العيادات، يحملون أوجاعهم التي جاؤوا بحثًا عن شفائها.

شيوخٌ أثقلهم العمر، نساءٌ أنهكهنّ المرض، شبابٌ وفتياتٌ في مقتبل الحياة… الجميع تاه في متاهةٍ واحدة: متاهة “سماسرة الوجع” في دهاليز العيادات الخاصة، حيث يتحوّل المرض إلى تجارة، والإنسان إلى رقمٍ في فاتورة.

“أمّ المؤمنين”، سيّدة طاعنة في السن، جمع أهلها كل ما يملكون. باعوا ما استطاعوا، واستدانوا ما عجزوا عنه، بعدما أقنعهم الأقارب والمعارف أن الشفاء هناك، في السنغال، حيث “الأخصائيون” و”الدواء الأصلي”.

رحلةٌ طويلة، مرهقة، عبر الطرق الوعرة، في سيارات نقل مكتظة، يحملون معها الأمل وكأنهم ذاهبون لاستعادته مالقيته العجوز من صحة. كانوا يظنون أن الأمر لن يتجاوز يومًا أو يومين، وأنهم سيعودون بها معافاة، كأن المرض لم يمر بها يومًا.

في داكار، كان في استقبالهم “السمسار”، الذي جاءهم عبر توصية قريب. استقبلهم بترحابٍ مصطنع، وابتسامةٍ عريضة تخفي خلفها حساباتٍ دقيقة. وعدهم بتذليل الصعاب: طبيب، ترجمة، سكن مريح… كل شيء يبدو مرتبًا.

لكن الحقيقة كانت شيئًا آخر.

توقفت السيارة أمام عمارةٍ متواضعة في عمق حيٍّ مكتظ. أدخلهم إلى صالونٍ كبير، حُشر فيه عشرات المرضى ومرافقيهم. قبل أن يلتقطوا أنفاسهم من عناء السفر، طلب منهم 10,000 فرنك غرب إفريقي مقابل كل أربعٍ وعشرين ساعة.

طلب أحدهم استخدام دورة المياه، فكانت الصدمة: مكانٌ متّسخ، رائحة خانقة، ماءٌ شحيح، لا يصلح لكرامة إنسان، فضلًا عن مريض.

ابتسم السمسار، وقال وكأنه يقدّم عرضًا مغريًا: “لدينا غرف مجهزة، فيها حمام ومطبخ… لكنها بـ40,000 فرنك لليلة.”

لم يكن أمامهم خيار. أقنعوا أنفسهم أن الأمر مؤقت، وأنهم لن يمكثوا طويلًا.

لكن الليل كان قاسيًا… بعوضٌ ينهش الأجساد، وروائح كريهة تخنق الأنفاس، وألمٌ يتضاعف في جسد العجوز.

في الصباح، قادهم السمسار إلى العيادة. هناك، التقى بزملائه… وكأنهم فريقٌ واحد. استقبلوا “الصيد” بترحيبٍ مهني بارد.

رسوم دخول، ثم فحوصات… قائمة طويلة من التحاليل، كل واحدةٍ بثمن، وكل ثمنٍ يحمل في طيّاته نسبةً تُقتطع في الخفاء. الطبيب يكتب، والمحاسبة تحسب، والسمسار يراقب نصيبه.

حتى الأدوية… لم تكن بريئة.

كانوا يظنون أن هذه النهاية، أن دفعهم لكل تلك الأموال يعني اقتراب الفرج.

لكن الألم لم ينتهِ… بل ازداد.

في اليوم التالي، وبعد انتظارٍ طويل، جاءهم الخبر: الفحوصات “غير كافية”.

يلزم إجراء المزيد.

سقطت الكلمات على رؤوسهم كالصاعقة.

فتحت العجوز آخر صرّةٍ كانت تخبّئها لمصاريف العودة. نظرت إلى السمسار بعينين يملؤهما الرجاء والانكسار: “هذا آخر ما لدي…”

أجابها ببرودٍ قاتل: “كل شيء هنا بثمن… ومن لا يملك المال، فالأفضل له أن يتعالج في بلده.”

هنا، لا يُقاس الألم بوجع الجسد فقط، بل بمرارة الاستغلال.

حين يتحوّل المرض إلى سوق، والضعف إلى فرصة، والإنسان إلى صفقة.

إنها حكاية ليست فردية… بل مشهد يتكرر، حيث يسقط المرضى في شِباك سماسرةٍ يتاجرون بالأمل، ويبيعون الوهم، ويشترون أرواحًا أنهكها الألم.

وفي النهاية… لا يبقى لهؤلاء سوى سؤالٍ واحد:

هل كان المرض أرحم… أم الطريق إلى العلاج؟

 

الصحفي محمد احمد حبيب الله

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى