آخر الأخبار

الخوف من النسيان/خالد الفاظل

29 يونيو، 2020

هلا ريم الإخباري: الذين يموتون بشكل يومي وتكتب تعازيهم بخلفية قاتمة لا أعرف قصصهم بالضبط. لا أعرف طبيعة الأفكار التي روادتهم لحظة مشاهدتهم اللقطات الأخيرة من الحياة من وراء ثقب صغير في جدران الغياب. لقطات ربما ظهرت أمامهم مشوشة مثل إرسال صحن هوائي حالت الأنواء المزدحمة بالسحب الكثيفة والبروق بينه وبين إشارات الأقمار الصناعية. أحيانا أعلق على خبر رحيلهم بكلمات مضغوطة لا تتطلب كتابتها جهدا مُرهقا لرؤوس الأصابع: “الرحمة والغفران وجنة الرضوان”، وأحيانا أتكاسل عن التعليق واكتفي برسم وجه “ايموجي” حزين تتدفق من عينيه دموع زرقاء كلون السماء الصافية التي لن يتمتعوا بمشاهدتها مرة أخرى بتلك الأبعاد الدنيوية المثيرة، الملطخة بالرغبات والمشقة. على كل حال، أشعر بتأنيب الضمير جراء برودة أعصابي أمام رحيل إنسان ما عن الحياة، إنسان لا أعرف تفاصيل قصته التي ستذوب بلا شك مع مليارات القصص المحكية والمنسية لبشر كانت أجسادهم تشغل حيزا ماديا نشطا في مكان ما من الأرض ثم ابتلعها النسيان.

أفكر أحيانا في تاجر عطور في سوق بغداد أيام دخول المغول قتل تحت حوافر الخيول دون أن يذكره التاريخ لأنه كان شخصا عاديا. أفكر في أرملة هندية أحرقت في ليلة كئيبة في قرية نائية في الهند ولم يذكرها التاريخ لأنها كانت امرأة عادية. أفكر في رحالة أخذ قطاع الطريق متاعه ومات عطشا في الصحراء وبقيت عظامه مدفونة في الرمال ولم يذكره التاريخ لأنه كان رجلا عاديا. أفكر في شاب رميت جثته في البحر من سفينة رقيق كانت متجهة لقارة أمريكا في ليلة باردة ومظلمة من القرن 18 ولم يذكره التاريخ رغم أن حاول أن يثور. أفكر في طفل بلا أب كتمت أنفاسه يوم ولادته خوف العار والمجتمع وهو يحرك لسانه بحثا عن الحليب ودفن قبل أن يطلق عليه اسم محدد. أفكر في جنين أجهض بعدما صار مجسما لأن أبواه لا يريدون طفلا مع تشوه خلقي. أفكر في عائلة قتل القصف جميع أفرادها من طائرة حربية يقودها ملاح لم يسأل قادته مطلقا لماذا نقتل هؤلاء المساكين في بلدانهم وبيوتهم التي لا تحوم فوقها سوى العصافير وضحكات الأطفال. أفكر في شاب خرج لشراء الخبز ودهسته سيارة مسرعة ولاذت بالفرار دون عقاب ودفن وتم نسيانه. أفكر في شاب من السكان الأصليين لكواتيمالا مات محاصرا في غابة وبقيت جثته بين أحراشها دون أن يذكره التاريخ. أفكر في سجين عذب في سجن مظلم وقتل وألقيت جثته في قبر مجهول دون أن ينعم بوداع محترم. ملايين الأنفس التي عبرت منذ آلاف السنين وابتلعها النسيان دون أن تتذوق أسماؤها طعم التاريخ أو تنعم بالعدالة أفكر أحيانا في مصير أجسادها سواء تحللت أو حنطت أو أحرقت.

بغض النظر عن تباين أديانهم ولغاتهم وبلدانهم، الله لا ينسى أحد: (( وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ وَتَرَى الْأَرْضَ بَارِزَةً وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا )).

بغض النظر عن ترتيبهم في سلم مجتماعتهم التي عاشوا فيها، سيذهلون عنها ذات يوم ليس ككل الأيام: (( فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ ))

بغض النظر عن المظالم التي تعرضوا لها أو ارتكبوها، سيعيشون العدالة المطلقة ذات يوم ليس ككل الأيام التي عاشوها في الدنيا: (( وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَٰذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا ۚ وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا ۗ وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا )).

بغض النظر عن تشعب الأديان والمذاهب والأفكار وتداخل الحقائق التي يجدها كل واحد منا يوم ولادته في بيئة معرفية تؤثر على نظرته للعالم والحياة والقيم، فإن طريق الخير ليس معقدا وغامضا ومخيفا لمن أراد أن يسلكه بتواضع ومحبة وحرية تخلص عقله من العبودية لغير الله الذي لم يأمرنا إلا بالخير والإعمار. عندما اقرأ هذه الآيات من سورة الإسراء أجد أن الفضائل التي تحث عليها تكاد تكون مشتركة في جلها بين كل البشر. فضائل تعيش وسط صراع مرير بينها وبين أنفسنا المتوثبة دائما نحو الجشع والتكبر والغطرسة والإقصاء والأنانية والأحقاد والظلم والغش والكذب وشهادة الزور. قال تعالى:

((وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا (23) وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا (24) رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ إِنْ تَكُونُوا صَالِحِينَ فَإِنَّهُ كَانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُورًا (25) وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا (26) إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا (27) وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغَاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوهَا فَقُلْ لَهُمْ قَوْلًا مَيْسُورًا (28) وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا (29) إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا (30) وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا (31) وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا (32) وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا (33) وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا (34) وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذَا كِلْتُمْ وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا (35) وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا (36) وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا (37) كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا))

هنا صكوكو. إننا لا نخاف من الموت إننا نخاف من النسيان، لذالك فإننا نبحث عن الخلود في صفحات التاريخ، والحقيقة أن الله لا ينسى أحد مهما كان. وهذا شيء مقلق ومطمئن في نفس الوقت. إن أمجادنا بألقها الدنيوي ستصبح في نهاية المطاف أمجادا مجازية ولن يبق معنا منها إلا العمل الصالح بعد تنقيته طبعا من شوائب الرياء.

الساعة 13:41 وأقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.