آخر الأخبار

الإصلاح في زمن الكورونا

25 مارس، 2020

من مسلماتنا العقدية التأرجح بين الخوف و الرجاء.. حتى قال شاعرنا في خلاصة قصيدة توحيدية شائعة في الأوساط الشعبية لما تعبر عنه من قوة إيمان و رضوخ للقدر خيره و شره :

“هاذ من شِ لِ عاد اتفاك

من تخوافك لِ و التطماع

ما خلاها بي تظياك

الا خلاها بي تساع”

بيد أن التسليم ليس الاستسلام… فالتسليم يستلزم التمعن و استخلاص العبر من الذي يحصل لنا لكي نتمكن من مواجهة الحاضر بالتعامل الصحيح و من استشراف المستقبل بتحكيم العقل الذي حبانا الله به.

اللغة الصينية تستخدم كلمتين للتحدث عن كلمة “أزمة” : “خطر” و “فرصة”. فحضارة كتلك ترى في كل حالة أزمة مصدرا للخوف من الخطر المحدق و فرصة للخروج من زمن العسر بقوة و صلابة أكثر.

فمن واجبنا اليوم التفكير فيما بعد الكورونا، لأن ما بعد هذه الأزمة الشاملة لكونها تؤثر على كل مناحي الحياة، يبدأ اليوم و نحن ما زلنا تحت صدمة وقع الوباء.

من هنا يجب علينا التفكير في واقعنا كأمة تزدري العمل و لا تنتج مما تستهلك إلا القليل القليل.. فمن المخيف لبلدنا أن نكون في حالة عجز غذائي إن حصل اضطراب أيا كان على حدودنا أحرى إن أغلقت.
فرغم وجود أراض خصبة في شمامه (135000 هكتار من الأراضي الصالحة للزراعة) و رغم وجود الواحات الكثيرة فإن البلد لا يؤمن حاجاته لا من الحبوب و لا من الخضار و لا حتى من الأرز الذي أنفقنا من أجل إنتاجه أموالا طائلة.

حاجتنا اليوم في التوجه إلي تلك الأراضي لاستغلالها. هذه فرصة لإطلاق مشاريع ضخمة تستوعب اليد العاملة و تمكن البلاد من مواجهة السنين العجاف المتوقعة بعد هذه الأزمة. فقطاعات الزراعة و التنمية الحيوانية و الصيد لابد أن تكون الملاذ بحيث تضمن الأمن الغذائي و تحد من البطالة.

هكذا يفرض علينا الخوف من كورونا التحرك لجعل الأزمة فرصة لبث ثقافة إنتاجية تعطي للعمل مكانة مرموقة لترفعه إلى مستوى القيمة الفاضلة و تقتل روح الإتكالية.

من الواضح أن الدولة الوطنية هي الرابح الأكثر من الأزمة الحالية حيث إنها ظهرت كحام للشعوب و كمؤطر للرد على العدو. و ذلك ما يعزز مكانتها و رابطها بالمواطن لفتح باب الثقة ولتنتهي مهام كل الوكلاء الذين كانوا يلعبون دور الوسيط بين الدولة و المواطن.

من الفرص المتاحة، و الأزمة ما زالت قابلة للتفاقم، استخدام الرقمنة كرافعة مركزية لإصلاح التعليم لأن الأداة متاحة للعامة و لا تتطلب الكثير من البنى التحتية المكلفة و لأنها تصل الكل على السواء. كما يمكن تخصيص قناة تلفزيونية للغرض نفسه لضمان توصيل الدروس.

أدركنا اليوم كم إن نظامنا الصحي بحاجة إلى توفير المعدات و العارفين من متخصصين أطباء و ممرضين و عمال في المجال الصحي، كما أدركنا كم هو أساسي في حماية الأمن القومي.

الكل يلاحظ تقاعس خطاب الكراهية و القراءات الأحادية النظر و ذلك يطمئننا على فضولية القائلين بهشاشة اللحمة الوطنية و ضعفها. فلعلها فرصة لتقوية الأرضية التي هي أساس هذا الكيان.

…كلها كانت أولويات في برنامج “تعهداتي” الذي صمم في الزمن العادي، ذلك الزمن الذي يمر علينا مر الكرام.. إلا أن زمن “الإستعجال” يجري دائما لمصلحة الإصلاحات الجذرية و القرارات الكبرى.. زمن الكورونا يجب حتما أن يكون زمن الإصلاح.

ولد عمير